سربوا او باعوا اراضيها

من تحكم بأرض فلسطين ومن هم الذين سربوا او باعوا اراضيها

اخرى قبل 9 شهر

من تحكم بأرض فلسطين ومن هم الذين سربوا او باعوا اراضيها

د.نائلة الوعري

باحثة ومؤرخة

من امتلك ارض فلسطين؟ ومن سرب بعض من اراضيها للحركة الصهيونية؟ ومن هم كبار الملاك؟ أسئلة جوهرية يجري تداولها باستمرار في الأوساط الشعبية والأكاديمية والسياسية العربية بعامة والفلسطينية بخاصة وربما كانت الإجابة عن هذه الأسئلة قبل عدة سنوات ينتابها الكثير من الشك والريبة إلى أن وصلت أيدينا إلى دور الأرشيف والوثائق واستطعنا أن نمتلك نصوصا وبيانات رقمية عن أصحاب الملكيات وما آلت إليه ملكياتهم في نهاية المطاف.

وفي ضوء ذلك كان كبار ملاكي الأراضي في فلسطين منذ مسح وتسجيل أراضي فلسطين عام1869وحتى نكبة عام 1948 يتكونون من فئتين الأولى فئة الإقطاعيين الذين امتلكوا الأرض من خلال نظام الإقطاع العثماني عندما حولوا اقطاعاتهم القديمة إلى ملكيات خاصة مستغلين نظام الطابو والتسجيل العثماني الذي ملك الأرض لمن تصرف بها مدة عشر سنوات دون منازع ولم يجرؤ المزارعون منازعة الإقطاعيين في إقطاعياتهم القديمة وتسجيلها على أسمائهم ناهيك عن الخوف الذي راودهم من تسجيل أراضيهم في السجلات من دفع الضرائب وتجنيد أبنائهم.

والفئة الثانية أصحاب رؤوس الأموال المحليين والوافدين وكبار موظفي الدولة المتقاعدين وغير المتقاعدين وكبار الصناع والحرفيين والتجار وأصحاب شركات النقل والاستيراد والتصدير والسياحة والسفر والخدمات العثمانيين الذين وجهوا قدرا كبيرا من أموالهم للاستثمار في قطاع الزراعية لإنتاج المحاصيل المطلوبة في الأسواق المحلية والإقليمية والدولية كالقمح والشعير والسمسم والبرتقال والقطن والبطيخ والحرير وغيرها ودرت الأرض على ملاكيها أرباح طائلة بما أنتجته من محاصيل التصنيع والتصدير وأثمان عالية غير مسبوقة بعد أن زاد الطلب عليها في الأسواق العقارية في كل من اسطنبول وبيروت ودمشق وحيفا والقدس ويافا وذلك في ظل تسارع حركة التغلغل الأجنبية وفي مقدمتها الصهيونية لبناء المستوطنات وإقامة المشاريع الاستثمارية عليها.

واستطاعت هذه الفئة من جمع مساحات كبيرة من الأراضي مستغلين في ذلك قواهم الاجتماعية والمالية وعلاقاتهم القوية بالدولة العثمانية وموظفيها وسفراء الدول الأجنبية في اسطنبول وقناصل ومكاتبها التجارية المنتشرين في فلسطين وكانت تقف على أهبة الاستعداد لضم الأراضي المعطلة وشرا ما يعرضه المزارعون المتعثرون وإلجائهم في حماهم من عسف جباة الضرائب والتجنيد وهجمات القبائل البدوية وفرض الخاوة عليهم وشراء الأراضي التي حلتها الدولة عن مزارعيها بسبب عجزهم عن دفع الضرائب وتجفيف المستنقعات واجتثاث أحراش القصب والبلان بما لديهم من إمكانيات اقتصادية كبيرة وانتشرت في جميع أقاليم فلسطين الأربعة الساحلية والجبلية والغورية الصحراوية.

وإذا ما دققنا في أصول الملاكين الكبار للأراضي في فلسطين سنجدها تتألف من الملاكين المحليين والمتمثلين بالإقطاعيين القدماء وأفندية المدن وتجارها الذي انخرطوا في حركة الاقتصاد العالمي وتطوراتها إنتاجا وتصنيعا وتصديرا وتسويقا وازدهر نشاطها بدخول الآلة مجالات العمل وشاركهم في ذلك وجهاء القرى وأعيانها ومشايخ القبائل البدوية في النقب وإطراف الساحل والأغوار وأخذت القبائل الفلسطينية بالمزاوجة بين تربية الحيوانات والزراعية فغدا محصول الشعير المزروع في هضاب بير السبع سلعة رائجة في الأسواق البريطانية بعد أن ثبت مخبريا بأنه أجود أنواع الشعير في العالم لإنتاج الجعة او البيرة كما أسهمت قبائل سهول طبريا وبيسان دورا كبيرا في إنتاج الحبوب والقطن والخضروات وهو ما در عليها أرباحا طائلة.

أما الوافدين فيتألفون من كبار موظفي الدولة المتقاعدين وغير المتقاعدين المدنيين والعسكريين ممن استقروا في فلسطين على مقربة من ممتلكاتهم او عادوا إلى مسقط رأسهم وأداروها بالوكالة ووجهاء واعيان الفئات المهاجرة من المسلمين والذمة والتجار الوافدين من الولايات العثمانية وغير العثمانية وفي مقدمتهم السوريين واللبنانيين والمغاربة والجزائريين والمصريين والإيرانيين والبوسنيين والشراكسة والشيشان والداغستان واليونانيين والقبارصة وغيرهم وإذا كان إقليم الجليل قد شهد ملكيات واسعة محلية من ال الفاهوم في الناصرة والسعد وصلاح في حيفا والشقيري في عكا فانه قد شهد مليكات واسعة للوافدين ال سرسق من لبنان والجزائريين من سوريا والبهائيين من إيران في حين تمركزت ملكية ال عبد الهادي في جبال نابلس وأطراف الجليل بينما امتدت ملكيات القدس في الأغوار والسهل الساحلي والبادية الأردنية واتسعت ملكية ال بيدس وأبو خضرا الغصين والتاجي الفاروقي والطيان والعزة الوافدين من مصر في قضاء يافا وأبو شعبان والشواء وأبو مدين في قضاء غزة وبئر السبع.

وبما أن الملكيات الكبيرة قامت على أسس إقطاعية وتوجهات رأسمالية تتطلع باستمرار إلى تحقيق اكبر قدر من الهيمنة والربح والمصالح الشخصية فإنها لن تتوان عن بيعها او جزء منها لرعايا الدول الأجنبية والحركة الصهيونية في السر والعلن غير آبهين إلى مجموعة القيم والمبادئ والقوانين والنظم والأعراف والتقاليد التي تحكم قواعد الملكية وتطوراتها ووضع المبررات الواهية إذا ما انكشف أمرها مستغلين ترهل بعض الأجهزة الإدارية العثمانية وانحياز بعضها إلى الحركة الصهيونية في ظل الحكومة الاتحادية ودعم ومؤزرة حكومة الانتداب وقوة الحركة الصهيونية المالية التي كانت تقف على واهبة الاستعداد لتوفير الأثمان المغرية والرشاوى والعمولات الكبيرة للسماسرة والوسطاء ولهذا تغص مضامين الأرشيف المحلي والعثماني والبريطاني بالصفقات الضخمة المنفردة والمتتالية ومن الشواهد الدالة على ذلك الصفقات التي ابرمها ال سرسق اللبنانيين ما بين 1922-1928وشملت جميع أراضيهم في فلسطين البالغة نحو(205)مليون دونم بعد أن تعرضت شركاتهم للإفلاس واضطروا لبيع أراضيهم في صفقات متتالية قررت مواعيدها دوائر المفاوضات مع المؤسسات الصهيونية وانجازات فرق المساحة والهندسة التي تولت مساحتها بدقة نظرا لاعتماد المساحات العثمانية على التقدير والتخمين من ناحية وارتفاع أثمان وحدة المساحة مقارنة بما دفعوه عند شرائها وتباين الظروف والأحوال والفروق الزمنية بين فترتي الشراء والبيع بصورة عامة وارتفاع أثمان أراضيهم الممتدة في المناطق الاستثمارية بصورة كبيرة كما هو الحال في الأراضي القائمة على ساحل خليج عكا بين مدينتي عكا وحيفا بسبب توسع ميناء حيفا وانتعاش الحركة التجارية والصناعية في أرجائه.

ومن الجدير بالذكر أن تنامي الملكية الإقطاعية والرأسمالية وارتفاع أثمان ما في أيديها من أراضي وقدرة المشروع الصهيوني على الدفع المباشر والوساطة الرشاوى قد اوجد قطاع واسع من السماسرة والوسطاء الذي اخذوا بالعمل لصالح نقل الأراضي للمشروع الصهيوني وأخذت هذه الفئة بالتسرب إلى أوساط المزارعين لإغرائهم ببيع ما في أيديهم من أراضي والالتحاق بسوق العمل الواسع في المهجر بالولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأمريكيا الجنوبية او بقطاع العمل القائم في المستوطنات الصهيونية بعد أن روجت لها أن الإنتاج الزراعي الموسمي للأرض لا يفي بحاجة الأسرة من مستلزمات ناهيك عن عدم مقدرة الإنتاج على منافسة الإنتاج الصناعي الصهيوني والبطالة التي أوجدها الانتداب البريطاني واستيراده للمنتجات المنافسة للإنتاج الزراعي المحلي الأمر الذي يعمل على كساده وخسارة المزارعين ودفعهم للهجرة والتنازل عن أراضيهم لصالح المشروع الصهيوني.

ولا تزال مسالة الإغراء المادي الوسيلة القوية التي تستخدمها سلطات الاحتلال لشراء الأراضي والعقارات في فلسطين المحتلة سواء كانت في أراضي عام 1948 او الضفة الغربية وفي مقدمتها القدس وما تسريب العقارات التي نسمع عنها من حين إلى الأخر ما هي إلا سياسة قديمة جديدة مارستها الحركة الصهيونية منذ نحو قرن ونصف من الزمان.

 

 

 

 

التعليقات على خبر: من تحكم بأرض فلسطين ومن هم الذين سربوا او باعوا اراضيها

حمل التطبيق الأن