«فلسطين المستقبلية».. فك ألغاز خريطة ترامب الجديدة

«فلسطين المستقبلية».. فك ألغاز خريطة ترامب الجديدة

اخرى قبل 1 شهر

«فلسطين المستقبلية».. فك ألغاز خريطة ترامب الجديدة

فور انتهاء الإعلان عن المقترح الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط، نشرَ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة تويتر ما أسماها «خريطة مفاهيمية Conceptual Map» تجسّد رؤية «صفقة القرن» وكيف ستكون نتيجته على أرض الواقع. لكن ماذا تعني هذه الخريطة بالنسبة للفلسطينيين؟ وما الحقائق المخفية وراءها؟ في هذا التقرير نفكك الخريطة ونستعرض أهم ما تعنيه على أرض الواقع.

أي «قدس» تحديدًا عاصمة لفلسطين؟

ذكر الرئيس ترامب في تغريدته، أن الدولة الفلسطينية ستكون لها عاصمة في «أجزاء من القدس الشرقيّة»، فعن أي قدس تحديدًا تتحدث الخريطة؟

ينصّ المقترح الأمريكي على أن تتخذ الدولة الفلسطينية عاصمتها في أجزاء من شرق القدس، تحديدًا من بلدة كفر عقب، وشرق بلدتي شعفاط -عمليًا مخيم شعفاط- وبلدة أبو ديس، بشرط أن تكون في الأجزاء الواقعة وراء جدار الفصل العنصري الإسرائيليّ، أي أنها مفصولة بشكل كلي وكامل عن البلدة القديمة في القدس، وعن الحرم القدسي وأي مواقع دينية في مدينة القدس.

وبذلك تقتصر العاصمة الفلسطينية على أجزاء صغيرة جدًا من هذه البلدات الثلاث المأهولة بكثافة سكانية عالية، والمحاصرة من كل النواحي بمستوطنات إسرائيلية، ستظلّ موجودةً وفقًا للمقترح الأمريكي.

ستكون عاصمة بلا أرض تقريبًا، ولها من القدس الاسم فحسب، وأينما اختار الفلسطينيون أن يقيموا عاصمتهم فستسمّى «القدس»، المهم أن لا تكون على أجزاء من القدس الشرقية أو مركز القدس.

أما إسرائيل، فستأخذ القدس بأكملها، شرقها وغربها، بكامل المواقع الدينية الإسلامية والمسيحية فيها، ولها عليها السيادة الأمنية والجغرافية الكاملة بدون أي تقسيم. وستسمى عاصمة إسرائيل «جيروساليم Jerusalem»، أو «أورشليم» بالعبرية.

فلسطين معزولةً عن العالم

وفقًا لنصّ المقترح الأمريكي، لن تكون الدولة الفلسطينية دولةً بالمعنى الكامل للكلمة، إذ ستفتقد حقّ السيادة الكاملة على أراضيها ومائها وجوها بناءً على الخريطة المفاهيمية.

لا منافذ بحرية أو جوية

تُظهر الخريطة دولة فلسطين المستقبلية معزولةً مائيًا عن العالم بشكل كامل، رغم اتصال غزة بشرق البحر الأبيض المتوسط. وتوفّر الخطة بديلين اثنين: أن تستخدم دولة فلسطين الموانئ الإسرائيلية، في حيفا وأسدود، أو أن تستخدم جزءًا من ميناء العقبة الأردني، على أن يكون استخدامها للموانئ الإسرائيلية مرهونًا بالموافقة الإسرائيلية، ومتفقًا مع الشروط السيادية والأمنية التي تريدها إسرائيل.

سيقتصر الاستخدام الفلسطيني للموانئ الإسرائيلية على سفن الشحن حصرًا دون بقية أنواع السفن، على أن تُنقل البضائع وتكون ضرائبها تابعة للسلطة الفلسطينية، ولكن بعد تطبيق أي قوانين واتفاقيات جمارك تقرّها إسرائيل، عدا عن كون العمل الفلسطيني في الميناء مقيدًا بالقوانين البيئية والعمّالية الإسرائيلية، بالإضافة لقوانين أخرى، وستساهم الدولة الفلسطينية في دفع رسوم إصلاح وصيانة الميناء الإسرائيلي جنبًا إلى جنب مع الدولة الإسرائيلية.

أما في ميناء العقبة الأردني، سيخصّص لدولة فلسطين المستقبلية منفذ على البحر الأحمر، تدفع مقابله إيجارًا وتشارك مع الدولة الأردنية في كلفة الصيانة والإصلاح، ويكون التساؤل مشروعًا حول عملية وجدوى هذا التقسيم، إذ لا توجد حتى الآن شبكة نقل بضائع تربط العقبة بغزة أو الضفة الغربيّة مباشرةً، عدا عن كون هذا المنفذ البحري مقطوعًا عن أراضي دولة فلسطين المستقبلية. على جانب آخر تقر الخطة بإمكانية إنشاء مطار في غزة، فقط للطائرات الصغيرة، بالإضافة لبناء جزيرة اصطناعية لتعمل ميناءً لغزّة. وكلا المشروعين رهنٌ للموافقة والشروط الأمنية الإسرائيليّة.

حدود برية فقط مع مصر

لن تتمتع الدولة الفلسطينية بحدود بريّة خاصةٍ بها وتحت إشرافها الكامل، إلا معبر رفح الحدوديّ، الرابط بين قطاع غزة وجمهورية مصر العربية. ولم يوضّح المقترح الأمريكي كيف ستدار هذه النقطة الحدودية أمنيًا وتحت أيّ سيادة.

لن يكون للدولة الفلسطينية اتصال مباشر بالأراضي اللبنانية بالمرّة، أما بالنسبة للأردن فتوجد نقطتان حدوديتان: جسر الملك حسين المشتهر بـ«اللنبي»، وجسر الأمير محمد المعروف بـ«جسر دامية»، وهو مغلق منذ التسعينيات إبّان الانتفاضة الفلسطينية الثانية. لكن المعبران البريّان غير متصلان بالأراضي الفلسطينية المستقبلية، ويحتاج الفلسطينيّ للمرور بالأراضي الإسرائيلية للوصول إليهما، ولا يوضّح المقترح الأمريكي إذا ما ستحظى دولة فلسطين بسلطة على هذه المعابر الحدودية أم لا.

سلطة فلسطينية تحت رحمة إسرائيل

كما ذكرنا سابقًا، لن تحظى الدولة الفلسطينية المستقبلية بخصائص السيادة الطبيعية التي تحظى بها الدول الأخرى وفقًا للقانون الدوليّ. عدا عن افتقارها للسيادة على مياهها الإقليمية ومعابرها الحدودية البرية، وعدم وجود معابر جويّة تتبع لها، لن تكون الدولة المستقبلية قادرةً على إبرام اتفاقيات مع دول أخرى، أو مع منظمات دولية، دون موافقة إسرائيلية، عدا عن الانضمام لمنظمات ومؤسسات دولية، وبذلك سيكون العمل الدبلوماسي والدوليّ لدولة فلسطين المستقبلية مرهونًا بشكل شبه كامل للإرادة الإسرائيلية.

تسعى الخطة على الصعيد القانوني لتوفير حماية كاملة لإسرائيل. إذ تنص على تخلّي فلسطين عن أي فعل معادٍ لدولة إسرائيل، وتُلزم فلسطين بإسقاط قضاياها ضد إسرائيل والولايات المتحدة، أو أي من مواطني كلا الدولتين، في محكمة العدل الدولية، أو محكمة الجنايات الدولية، أو أي محاكم أخرى. مع تأكيد خاص على منع فلسطين المستقبلية من اتخاذ أي إجراء ضد مواطن أمريكي أو إسرائيليّ لدى «الإنتربول»، منظمة الشرطة الجنائية الدولية، وألا تسعى لمحاكمة مواطني البلدين إلا في محاكم أمريكية أو إسرائيليّة.

يصرّح المقترح الأمريكي أنه يهدف لتغيير القانون التنفيذي الفلسطيني، ليصبح متسقًا مع قوانين الولايات المتحدة، وليكون بشكل خاص ضدّ مساعدة أهالي الأسرى والقتلى الفلسطينيين، ممن تعدهم الوثيقة «إرهابيين». بناءً على الصلاحيات المُعطاة لسلطة فلسطين المستقبلية، ستكون على شكل إدارة مدنية تقوم بالمهام الإدارية والمدنية، وتنسّق أعمال القطاع العام وتسهّل على القطاع الخاص تنفيذ استثماراته، دون أن تملك زمام أمرها على المستوى الدوليّ أو الإقليميّ.

وبالنسبة لقطاع غزة، فلن يتم التفاوض على وضع القطاع، وتحديدًا حالته الاقتصادية، إلا بعد تطبيق ما سمّاه المقترح بـ«معايير غزة»، التي تهدف بشكل أساسي لنزع السلاح بشكل كامل من غزّة وتجريد حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وحركة الجهاد الإسلامي من السلاح والسلطة، وأن لا تكون هذه الحركات جزءًا من الوفد الفلسطيني المُفاوض أو من الحكومة الفلسطينية، إلا بشروط أن تعترف هذه الحركات بإسرائيل اعترافًا واضحًا ومباشرًا، وتعلن التزامها بالسلمية. وهكذا تصبح دولة فلسطين المستقبلية عاريةً بلا جيش أو سلاح مقاومة.

ماذا يعني «جيب سكاني إسرائيلي» على أرض الواقع؟

الجيب السكاني الإسرائيلي هو التسمية الأمريكية الجديدة للمستوطنات الإسرائيلية الموزّعة داخل أراضي الضفة الغربية، وبحكم القانون الدولي هي مستوطنات غير قانونية. أعلنت الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 أنها لا ترى المستوطنات وبناءها في الضفة الغربية خرقًا للقانون، خلافًا لما اتفقت عليه معظم دول العالم. وبضمّ هذه المستوطنات رسميًا لإسرائيل تصبح أراضي إسرائيلية، تخضع للقانون والقضاء الإسرائيلي، والاعتداء عليها أو على سكّانها يمثل اعتداءً على دولة إسرائيل.

صل عدد المستوطنات المشار إليها في الخريطة إلى 15 مستوطنة، وتذكرُ خريطة أخرى -الخريطة الإنجليزية لإسرائيل- أنّ القائمة ليست نهائية، ما قد يعني أن بقيّة المستوطنات غير المذكورة هي جزءٌ من المقترح، وهذا ما تشير إليه الصفقة من عدم وجود نية لنقل المستوطنين اليهود من مستوطناتهم إلى أراضٍ أخرى، ما يعني الحفاظ على المستوطنات على حالها. تُلزم الصفقة إسرائيل بعدم بناء المزيد من المستوطنات خلال الأعوام الأربعة التالية وخلال أعوام التفاوض مع الفلسطينيين. ولكن قرار التوقّف عن بناء المستوطنات يأتي نتيجةً لضمّ هذه الأراضي الواسعة رسميًا وقانونيًا لإسرائيل.

في نهاية عام 2019 وصلت مساحة المستوطنات السكنية المقامة على أراضي الضفة الغربية إلى 10% من مساحة الضفة، ولهذه المستوطنات صلاحيات نفوذ مباشرةً على أقاليم مجاورة غير معمورة، تُوسّع من سيطرة المستوطنات على أراضي الضفة لتصل إلى نسبة 40% من كل أراضي الضفة، ولم توضّح الاتفاقية إذا ما كانت الأراضي المنضمة حديثًا لإسرائيل ستقتصر على المستوطنات السكنية فحسب أم ستضمّ النطاق الأوسع التابع لسلطة المجالس الإقليمية للمستوطنات. إذ كيف سيُوافى النمو السكاني الاستيطانيّ في السنوات القادمة دون التوسع الجغرافيّ؟

لكن خطورة المستوطنات الإسرائيلية لا تقف عند هذا الحد، فالاتفاقية تنصّ على مسؤولية إسرائيل في حماية المستوطنين الإسرائيليين، مع أخذها ما تحتاجه وتريده لفرض الأمن حول وفي هذه المستوطنات المزروعة في قلب الدولة الفلسطينية المستقبلية وفي كل زواياها. ما يعني وجودًا إسرائيليًا عسكريًا بشكل دائم ومستمر في أرجاء الضفة الغربية.

توضّح الخريطة وجود طرق تربط المستوطنات ببعضها البعض، وتعرّف هذه الطرق على أنها «طرق وصول إسرائيليّة»، تخترقُ الضفة الغربية في كل الاتجاهات، شمالًا عند نابلس وجنين، وجنوبًا تتفرّع أكثر من خمسة تفريعات في قلب مدينة الخليل وحولها، وفي وسط الدولة الفلسطينية المستقبلية شمالَ مدينة رام الله.

هذه المستوطنات تتبع بشكل كامل للسيادة الإسرائيلية، وكَذَا الطرق الرئيسية الرابطة بينها، ولم يكن اختيار مكان بناء المستوطنات عشوائيًا، إذ تُبنى المستوطنات على المناطق المرتفعة في الضفة الغربية لتكون مُطلة على ما يجاورها من بلدات ومدن فلسطينية. وعدا عن المستوطنات، تحوي الخريطة خطوطًا ومناطق صفراء واسعة (أي أراضٍ إسرائيلية) تمر داخل الأراضي الفلسطينية المستقبلية.

واقع الخريطة يعني أن تكون الدولة الفلسطينية بلا اتصال بالعالم الخارجي، وأن تكون مجزَّأة جغرافيًا من الداخل، بلا أراضٍ متصلة في الضفة أو غزة. إذ يمر النفق المقترح بين الضفة وغزة بالأراضي الإسرائيلية، وعلى النفق أن يخضع للشروط الإسرائيلية الأمنية بشكل كامل، أما بالنسبة للأراضي الموجودة جنوب شرق الخريطة، تحت غزة جنوبًا، فكذلك تمرّ طرقها بأراضٍ إسرائيلية من الطرفين، ولم تذكر الصفقة تفاصيل إضافية عن ربط المنطقتين بالضفة الغربية وغزة. على أن تكون واحدة منهما منطقةً صناعية لإنعاش الاقتصاد في غزة.

خريطة تفتح أحلام إسرائيل نحو جنوب لبنان

باختصار، تؤكد الصفقة الحقائق الموجودة على الأرض الآن، إذ تؤكّد على شرعية وقانونية المستوطنات -التي تعدّ دوليًا حتى الآن مخالفة للقانون الدولي وغير شرعية-، وتضيف إلى ذلك إسقاط حقّ إعادة الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل أثناء حرب 67، وتنصّ على أن الولايات المتحدة لا ترى إسرائيل ملزمةً بالانسحاب من هذه الأراضي.

توسع الخريطة الجديدة حدود إسرائيل لتشمل الجولان السوري المحتل، نتيجةً لإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيادة إسرائيل على الجولان، مشرعنًا بذلك احتلالها للهضبة. أما شمالًا باتجاه لبنان، فلم ترسم حدودٌ محدّدة، وإنما وضعت حدود خط اتفاقية هدنة عام 1949، ما ينفي كونها حدودًا نهائية وأخيرة لدولة إسرائيل، ويشرعن أي محاولات مستقبلية لضمّ أجزاء من جنوب لبنان.

عدا عن ذلك، تؤكّد الوثيقة مشروعية المطالب الإسرائيلية القانونية والتاريخية، ومن يدري إلى أين تمتدّ جغرافيًا هذه المطالب القانونية، وإذا ما كانت تشملُ أجزاءً من الدولة الأردنية والمصرية؟ كان رئيس الوزراء الإسرائيليّ، بنيامين نتنياهو، وعدَ وصرح بسعيه لضم وادي الأردن للسيادة الإسرائيلية. وادي الأردن هو الجزء الغربيّ من منطقة غور الأردن، وهو تابع للضفة الغربية ويشكّل 30٪ من مساحتها، ووفقًا لخريطة المقترح الأمريكي ستكون أجزاء غور الأردن، وشمال البحر الميت، تابعةً للسيادة الإسرائيليّة، على الرغم من أنّ معظم ساكني المنطقتين فلسطينيون يساهم عملهم الزراعي بـ60٪ من إنتاج الضفة الغربية الزراعيّ، أما أريحا فستظل تحت السلطة الفلسطينية.

المصدر ساسه بوست 

التعليقات على خبر: «فلسطين المستقبلية».. فك ألغاز خريطة ترامب الجديدة

حمل التطبيق الأن