يا ليتني حلزونًا!

يا ليتني حلزونًا!

ثقافة وفنون قبل 12 يوم

يا ليتني حلزونًا!

بكر أبوبكر

 

على شاطيء البحر كنتُ أسيرُ بخطٍ متعرج ثم أركضُ، ناشرًا ذراعيّ باتجاه الريح، وكأنني أستقبل النسمات بصدري... فاحتضنها بيدي الاثنتين.

 

 كان المسارُ المتعرجُ الذي أسير به علي شكل الأحجية التي توصلك الي بيتك، تلك التي كانوا يضعونها في صفحات التسلية في الصحف اليومية... آه، نعم، تلك التي توصل بها بقلمك من إشارة السهم الي نهاية اللعبة.

 

لم تكن الريحُ شديدة، بل كانت تُلقي بدفعات من الهبّات المتتاليات اللواتي لم تتمكن أي منهن من إيقافي عن الترنّح والسير بشكل حلزوني.

 

 متعةُ احتضان الريح  بالنسبة لي أكثر من متعة التقاط ثمرة تين ناضجة في عزّ الصيف من على شجرة قد خلت من معظم ثمارها لأن أبناء القرية قد سبقوني لالتقاطها...لكني ظللتُ أمعنُ النظرَ حتى وجدت تلك الناضجة المدللّة تنتظرني.

 

نعم كانت متعةُ احتضان الريح، والأرجل تغوص في رمل الشاطئ أكثر لذةً من مداعبة أنف امرأة جميلة تُطل من نافذة حُبلى بالمفاجآت في يوم ماطر، إمرأة كنتُ قد تعرفت عليها للتوّ... فلاحقني ظلّها حتى باب الغرفة.

 

كان احتضان الريح  يولّد في نفسي الشعورالمكتوم بالانبساط، والرغبة الأثيرة بالتحرر من القيود المرئية واللامرئية.

 

 لم يكن لحضن امرأة تجلب اللذّة المؤقتة أية قيمة، مع افتقاد الحرية المعبّر عنها باختيار الأشواق، وعبق الأحضان، ونعيم الحوار المُفضي الى فضيلة الثرثرة، والاستماع دون خجل أو دجل أو وجل.

 

كنت أجلس على شاطيء البحر في كل يوم قُبيل المغيب، ففي المغيب يختفي البحر، يذوبُ البحرُ في قِدر الليل، البحر الذي يغسل أسنانه وينظف قذى عيونه الكثيرة التي يطل بها في اليوم التالي على العالم.

 

كنت أجلسُ بعد حالة اللاتوازن... ثم التوازن التي تعتريني حين أعدو علي الشاطىء مفتوحَ الذراعين محتضنًا الهواء الرطب، فألتذّ كثيرًا إلى الدرجة التي أتمنى فيها ألا تغيب الشمس، فيختفي البحرالذي يعيد تزيين شعره المرسل وثغره الكبير.

 

جلستُ هذا اليوم عند فم صخرة مفتوح الى آخره

ماذا تفعل؟

اهتززت...من المتكلِم؟

لم يكن على الشاطىء بقربي بمثل هذا الوقت من أحد، فمن المتكلم؟

سألتك، فأجب!

متعجبًا: ومن أنت؟

ومالك ولي، أجب!

التفتُّ على يميني وإلى يساري فلم أرى المتكلم! فهل هو ضربٌ من الجنون لأسمع أصواتًا لا أتبيّن قائلها؟ أم أنني أتحدث مع شبح، أو ملاك؟... وكأنني أطلتُ التفكير وزال مفعول الريح السحري الذي كنت قد احتضنت منه الكثير.

قررت أن أجيب فقلت: إنني استريح علي الشاطيء.

لم يكن هذا مقصد سؤالي!

وما هو المقصد؟

ماذا تفعل بجلوسك كل يوم على الشاطئ قبل المغيب؟

أعتقد أنني استريح بعد حفلة الركض التي أمارسها على الشاطئ، كما تراني على ما اعتقد، فهل لديك مانع؟

ولِمَ أمانع! أنا مجرد مراقب ،، وَدَدت مشاركتك أحزانَك؟

ومن قال أنني حزين؟

أنت حزين،لأن الذين يحتضنون الريحَ أمثالك، ويتقافزون كالأطفال على الشاطئ، هم تُعساء.

لست تعيسا!

بل أنت كذلك، فكيف لسعيد أن يعيش لوحده، بلا صديق؟

تلفتّ ثانية ذات الشمال وذات اليمين، فلم أجد أحدًا، ولكنني استمتعت بالحوار الذي بدّد وحدتي، فقلت مناكفًا: بل لي أصدقاء، وليس صديق واحد.

وأين هم، لا أراهم؟

وأنا لا أراكَ!

لأنك لا تنظر إلا إلى الأعلى!

نظرتُ حيث الرمال، متنبهًا من كلمته، فلم أجد على الشاطئ الا الرمال وضربات الموج الكسولة ...ومجموعة من الأحجارالتي تمارس الوشوشة برفق ….وقوقعة!

أهذه أنت؟

رأيتني أخيرا!

رأيتُك أخيرا.

إذن أين هم أصدقاؤك؟

أصدقائي، يا صديقي الجديد، حيث أضع قدمي وحيث تذهب روحي إنهم الرمال والهواء والماء والصخور وصوت الطيور ونغمات أمواج البحر.....

اعذرني هذا كلام فارغٌ! فلا صديق إلا من ذات الجنس.

وهل تشترط أن يكون لي صديق إمرأة مثلا؟

إمرأة أو رجل هذا شأنك، المهم الصداقة حيث الحديث أو الملازمة أو الرِفقة أوالأنس أوالوصل والمشاركة... والوصل لا يكون إلا من الكائن لجنسه.

ولكني أتواصل معك، ولست كذلك، وعليه أتواصل مع الريح والبحر!

إن رأيت أنتَ هذا تواصلًا فأنا أراهُ منقوصًا فلا صداقة إلا بين الأجناس الواحدة.

هذا رأيك، لكني لم أجد من جنسي من يستحق ذلك.

ولم ذلك؟

عندما كنت أرتفعُ معهم لا يصِلون، وعندما انخفضُ لا يفهمون، وعندما أسدّد الرميةَ لا يشكرون، وحالما أقصّر ينتقدون، ولما وجدوا مني رداءً ممزقا لم يرتِقوه، وهم  فوق ذلك حملٌ ثقيل، وفهمٌ هزيل وتباعدٌ عقليّ ليس له مثيل، وفقدان للحرية كبير! فمن أين آتي بالأصدقاء؟

 

رفقًا بهم....وبنفسك.

دعني أيها الحلزون، فأنا وهكذا هي حالي، أنا أستطيع احتضان الريح وتقبيل أرجل البحر، ولثم شفاه السماء الغنية، ومداعبة موجات البحر، والتغزل بعيون الطيور وأعناقها وهي فرِحة دون وعد أو وعيد.

وبحرية؟

نعم بحرية، فهي فوق كل ذلك حرية، فلا تدع من عواطفي مركبًا يخوض به الآخرون فيمخرون العُباب، ويلقون بي عند أول منعطف.

 

كان الحلزون يحدثني ويبتعد، فلم أفهم السبب حتى رأيت حلزونًا آخر يظهر فيتقاربان…. رويدا رويدًا، ثم يتجاوران وينطلقان، وغابت الشمس.

 

بكر أبوبكر

كاتب وأديب عربي فلسطيني

في الفكر والدراسات العربية والاسلامية

Baker AbuBaker

Palestinian Author & writer

Arab Thinker

 

التعليقات على خبر: يا ليتني حلزونًا!

حمل التطبيق الأن