هل حصل اختراق في ملف المصالحة الوطنية؟

هل حصل اختراق في ملف المصالحة الوطنية؟

اخرى قبل 9 يوم

هل حصل اختراق في ملف المصالحة الوطنية؟

بكر أبوبكر

 

يتساءل العديد في الشارع الفلسطيني في ظل المتغيّرات الكونية الداهمة، والتي رشقتنا خاصة في هذا العام التاجّي (نسبة للفيروس التاجي "الكورونا") المليء بالتناقضات والأزمات، هل باتَ ملف المصالحة وتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية على الأبواب؟

في عام الفيروس التاجي فُجعنا بالانهيار القيمي الأكبر في تاريخ القوى العالمية، ويليها لدى بعض الساسة بل والمثقفين العرب، وهو ما ارتبط بخطة "ترامب" التصفوية المسماة تحقيق الازدهار! أوتجاوزًا صفقة العصر في 28/1/2020م، والتي راكمت عوامل الخراب والتدمير بالقضية الفلسطينية بما سبقها وبما تضمنها وبما لحقها.

سبق الإعلان عن صفقة "نتنياهو-ترامب" لتخليد الاحتلال في فلسطين، ثم الأمة، مجموعة من التحركات والقرارات الأمريكية التي منها قفل ملف اللاجئين وتدمير ملف الأسرى وإعلان القدس عاصمة أبدية للكيان الإسرائيلي، وهي الخطوات التي نظرت لها الأمة العربية ببرود عزّ نظيره!

ما شجع "ترامب" للتمادي بإطلاق خطته لتسييد الإسرائيلي في المنطقة في بداية عام الفيروس التاجي، وما لحقها -ومَن ألحق حاله بها- من السير قدما نحو تحقيق التتبيع للأمة العربية للكيان الصهيوني.

إذن، فُجعنا في هذا العام بمتغيرات داهمة ارتبطت باللعب الأمريكي-الانجيلي-الصهيوني بمقدرات الأمة العربية وثقافتها وحضارتها، وعبر البوابة الصهيونية التي رُسّمت قائدة للمنطقة، برضا بعض زعمائها المتوترين والانعزاليين أو المرعوبين، فأين نحن كفلسطينيين في ظل هذه المعمعة!

مورست على القيادة الفلسطينية المنهكة بكهولتها، وقلة خياراتها، رغم صلابتها عديد الضغوط السياسية والمالية، بل والجغرافية كما مورِس عليها كافة أشكال الحصار من قبل دول في الاقليم، ومن قبل المحاور التي رفضت القيادة أن تنضمّ لها، فلم تنضم لا للمحور التركي، ولا للمحور الإيراني، كما رفضت القيادة والشعب الفلسطيني بالطبع الانضمام للمحور الامريكي-العربي وذلك عبر قطعيّة هذه ]اللاء[ اللعينة التي جلبت على الفلسطيني مختلف اللعنات من كافة المحاور!؟

وكأن قدر الفلسطيني أن يندرج بأحد المحاور!؟ وهو المناضل العروبي أبدًا الذي جعل فلسطين محمولة على جميع الأكتاف بعيدا عن التحزّب الاقليمي أو التمحورالعالمي، لأننا لا محور لنا لندور حوله إلا فلسطين، وهم لا يفقهون .

يتساءل الشارع الفلسطيني هل أن المصالحة في ظل التعقيدات الكثيرة مما ابتلينا به طوال تاريخ القضية، وحديثًا منذ الانقلاب على غزة عام 2007 وحتى اليوم، قد اتخذت مسارا جديدا أم ما زلنا في نفس دوامة الحصار والضغوط، والنفور الوطني المتبادل؟

سنحاول في هذه الورقة أن نرسم خريطة طريق لفهم طبيعة التحركات التي جرت فلسطينيًا لتجاوز الانقلاب والانقسام وتحقيق تقدم بالمسارالصعب.

الانقلاب هو البداية

مما لا شك فيه أن الانقلاب الدموي الذي وقع في غزة ضد الشرعية كان البداية النارية للأزمة الداخلية المتفجرة حتى الآن، ومثّل الدم المُراق فيه جريمة كُبرى في التاريخ الفلسطيني، شجّعت حصوله قوى عالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وقوى إقليمية افترضت أنها بدعم طرف فلسطيني على حساب الآخر تدعم ما أسمته حينها "الاسلام المعتدل" الذي كان يُمهّد له، ما ظهر لاحقًا فيما سمّى الربيع أو الخريف العربي، إلا أن ما تحقق فعلًا على الصعيد الفلسطيني هو اختراق الجبهة الفلسطينية الداخلية، وتحقيق انفصالها النفسي والجغرافي والفكري.

في الوعي الإخواني بطبعته المتطرفة افترض الامكانية لتحقيق الإمارة الاسلاموية النموذجية بدءًا من غزة تحقيقًا للدولة الإسلامية العالمية! وفي حقيقة الأمر تنفيذًا للحلم الامريكي ب"الاسلام الامريكي المعتدل"!خاصة في مواجهة موجة التقدم الاسلاموي المصنوع والمتطرف (داعش وأخواتها)، وصولًا لما هو أبعد من ذلك، بتحقيق التقارب بينه أي بين "الإسلام المعتدل" بطبعته الأمريكية المسيطر عليها وبين الدولة الصهيونية ضمن ابتعاث فكرة صراع (ثم تلاقي) الأديان والطوائف الذي قامت عليه هذه السياسة.

لم يستطع "الإسلام الامريكي" الذي كان يتم التمهيد له أن يفوز بمقاعد الصف الأول في السياسة الامريكية، فانحسر المد الاسلاموي المتطرف من "داعش" وأخواتها سريعًا (من احتلال الموصل عام 2014 م، حتى تحريرها عام 2017).

من "الاسلام المعتدل" الى تسيّد الصهيوني مباشرة

سقطت ورقة "الاسلام المعتدل" إثر التخلي الأمريكي بالاستنفاذ السريع لاستحقاقاته وبفشله في حفر الخنادق، وفي آلية بناء عدو جديد بالمنطقة خَلَف العدو الإسلاموي الإرهابي المتطرف، وسقطت الورقة أيضا تحت ضغط طلبات الأنظمة العربية-الأمريكية الراسخة، التي قدمت نفسها للآمريكان البديل الأمثل لمصالحها.

تبدلت سياسة الإدارة الأمريكية وأصبح الرهان على بناء نموذج العداء المذهبي بالمنطقة، شيعي-سني، ليُصار لإدخال المنطقة في أتون نار جديدة لن تفوز فيها كالعادة إلا القاعدة الأمريكية المتقدمة (أي "إسرائيل") والمقدر لها أن تقود المنطقة الى جهنم.

ظهر المحور الإيراني في نظر عديد الساسة أنه العدو الأول للمنطقة وأنظمتها، بما أقدم عليه من دخول للمنطقة بثقل كبير، ثم كان الظهور للتطويق التركي للأمة العربية، فبررّت عديد زعامات دول الأمة العربية الارتماء الكامل في الحضن الامريكي-الصهيوني كبديل لابد منه! مفترضة أنها بذلك تحمي نفسها ومصالحها.

في ظل هذه المتغيرات التي اتخذت العروش فيها قفزتها الكبرى بحيث باعت كثير من مصالح شعوبها بالترليونات من الدولارات لتثبيت أنظمتها، وفي ظل صراع المحاور المرتبط بتأجيج العداء المذهبي، استطاع الكيان الصهيوني بزعامة "نتنياهو" أن يتخذ له مساحة واسعة من التلاقي مع الكيانات العربية المختلفة بالحفر في الصخر، بدءًامن التعاون الأمني العميق الذي يُشارالى بدايته منذ العام 1995 ثم تعملقه مع الزيارات المتبادلة بعد سنوات عشر من هذا التاريخ وتبادل المنافع الاقتصادية والأمنية، المدعومة بالخرافات الصهيونية بالازدهار.

تغيرت الخريطة السياسية سريعًا، واختلفت التحالفات واختلّت الموازين والمقاييس لنجد أنفسنا في العام 2020 نصرخ ألف ]لا[ بوجه أمريكا ولا من مجيب! فيما كانت مثل هذه الصرخة قبل عقدين على الأكثر تجد من المظاهرات ما يخرج الناس فرادى وزرافات من الخليج الى المحيط!

 

 

 

 

مسيرة طويلة

استطاعت حركة فتح وحماس والفصائل أن تتوصل لعديد الوثائق الهامة في مسيرة المصالحة التي يفترض أنها بدأت في مكة المكرمة عام 2007 م، ولكن الحوار الفتحوي الحمساوي بالحقيقة كان أقدم من ذلك بكثير ومنذ عهد الراحل الخالد أبوعمار.

ودون الغوص بكثير من تفاصيل النجاحات التي احتفلنا بها، ثم الاخفاقات التي منينا بها ما ناقشناه في مقالات كثيرة سابقة.

فإنه لكل ذي بصيرة أن يدرك أن المرحلة الحالية وهي مرحلة ما بعد الفيروس التاجي ومرحلة "ترامب-نتنياهو"، والتتبيع العربي المُخزي تشكل ثلاثية صعبة ومقيتة جدا، استدعت من أصحاب القرار في الوضع الفلسطيني أن يعيدوا التفكير مليًا وينطلقوا بين أكوام المصائب التي تعترض طريقهم، ومع المحاور التي ليس من همّها قضيتهم -بقدر استخدامها لمصالحها هي- أن ينطلق العمل أكثر قوة وسخونة للبدء من حيث كانت نقاط الخلاف الرئيسة.

 

ماذا حصل حديثًا بالمصالحة؟

في اللقاء الجامع الأخير لكوادر من المجلس الثوري والمجلس الاستشاري مع اللجنة المركزية لحركة فتح، وذلك بتاريخ 13/10/2020 يمكننا أن نسجل أبرز النقاط في المسار الجديد بين حركة فتح وحماس مما فهمناه .

يعتبر اجتماع الأمناء العامين بين بيروت وفلسطين في رام الله في 3/9/2020حدثًا مفصليا لأنه كرّس مسارًا هامًا للوحدة الوطنية، لا سيما وأن اللقاء وبهذا الشكل كان مطلبًا دائماً من الفصائل إما تحت عنوان اجتماع "القيادة المؤقتة" للمنظمة، أو تحت المسمى الأصلي وهو لجنة تفعيل المنظمة.

وبغض النظر عن هذه الصيغة أو تلك، فإن انعقاده في ظلّ عام الفيروس التاجي وعبر تقنية المؤتمر عن بعد (ثم لاحقا عبر تقنية زوم) اعتبر مسارًا تصادميا مع المسار الامريكي-الصهيوني، وتكريسا لمناهضة السياسة الأمريكية المهيمنة على المنطقة من جهة، كما اعتبر دلالة على التوجه القيادي وعلى رأسه توجه الأخ الرئيس أبومازن نحو ترتيب البيت الفلسطيني كحالة صدامية لا بد منها للمشروع الأمريكي الصهيوني.

بلا شك أن اجتماع الفصائل في شهر سبتمبر/أيلول كان من إفرازات قرار القيادة الفلسطينية في 19/5/2020 القاضي بالتحلل من الاتفاقات والالتزامات والتفاهمات مع الجانبين الإسرائيلي والأميركي، والذي شكّل في الوقت نفسه فرصة لدفع الأمور إلى الأمام وتطويرها، عبر الانتقال إلى سياسة الاشتباك الحقيقي، والمواجهة الشاملة مع الاحتلال، ومع «رؤية ترامب»، ومع مخطط الضم وتطبيقاته.

لطالما ردّد الفلسطينيون أن الوحدة الوطنية هي صخرة تتحطم عليها كل المؤامرات مما صرّح به قادة حركة فتح وغيرها.

في اللقاء مع الأخ جبريل الرجوب أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح أشار لثلاثة خطوات جديدة، الأول منها تمثل باللقاء الحاصل بينه وبين الأخ صالح العاروري من قيادة "حماس"، وعبر تقنية الاتصال المرئي عن بعد (زوم)، ثم تدعيمه باللقاء الفعلي في اسطنبول بمقر قنصلية فلسطين.

ثم ما كان من مسار الاتفاق والإعلان فمسار التحقيق للقاعدة، أي قاعدة الشراكة الوطنية، وحيث أشار بقوة الى أن هذه الخطوات كانت ذات صبغة فلسطينية خالصة، لم يتدخل بها أي طرف، وكأنه يشير الى تدخلات الأطراف سابقًا ما كان يمثل أحد أبرز العوائق لتطبيق اتفاقيات عديدة وقّعت.

من المهم عدم إغفال التطورات التي حصلت في الملف الفلسطيني الداخلي، وخاصة منذ قرار التحلّل من الالتزامات في شهر أيار/مايو 2020 ثم مع لقاء الأمناء العامين، ثم مع اللقاءات الثنائية اللاحقة بين حركة فتح وحماس فكانت الانجازات الجليّة في النقاط التالية:

1) اعتراف كافة الأطراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا.

2) الاتفاق على المقاومة بكافة أشكالها، وخيار المقاومة الشعبية السلمية منها في هذه المرحلة.

3) الاتفاق على الحل المرحلي ممثلا بالدولة في حدود 1967 وعودة اللاجئين والقدس عاصمة.

4) وفي ظل رئاسة الأخ أبومازن يُصار لعمل انتخابات بالقائمة النسبية الكاملة للمجلس التشريعي يتلوها الرئاسة، ثم التوافق على المجلس الوطني الفلسطيني.

يحدد الأخ جبريل أن الاختراق الحاصل مؤخرا استند لحالة الإرادة الفلسطينية الصلبة التي رفضت بقوة الضغوط الخارجية ما مثّل الظرف الموضوعي الهام.

إضافة للظرف الوطني الواقع تحت ثقل القضايا الوطنية، وضرورة الخروج من مربع الانقسام الفلسطيني الفلسطيني.

وباعتقادنا أن الحائط المسدود للجميع لربما كان من أبرز العوامل التي سرّعت بالتقارب رغم حالات الحذر والتشكك من قبل البعض في حركة حماس الذين لم يعجبهم التقارب مع حركة فتح، لا سيما وأنهم لأيام قليلة مضت كانوا ينظرون لكوادر فتح باعتبارهم من مدرسة الاستسلام، ضمن نظرية الفسطاطين (المعسكرين) التي نراها نظرية ساقطة في الفهم الجمعي الوطني الفلسطيني الذي يحتاج كل الفساطيط معًا وسويًا باتجاه فلسطين.

يمكنك أن تجد نفس الصورة الحَذِرة لدى كوادر في حركة فتح المتشككة بفصيل حماس لسبب عديد الاتفاقيات التي لم تنفذ، والتشكك الكبير بعدم رغبة حماس بتسليم غزة للشرعية الفلسطينية، وتشكك بصيغة الشراكة المبهمة عبر الانتخابات.

قال الأخ جبريل أن منهجية الحوار مع حماس استندت للأهداف والمنطلقات الوطنية، والفتحوية، ولغرض بقاء مشروعنا متألقا، وحيث نتفق جميعا على الهوية الواحدة وعلى المقاومة.

وفي ظل الانهيار الاقليمي الحاصل كان لا بد من التمركز حول المنهجية الوطنية، وحول أصالة قيادتنا للشعب الفلسطيني وعبر تجديد الشرعية بالانتخابات، ما كان المدخل الرئيس الذي استندنا له عمليًا وضمن النقاط الأربع آنفة الذكر.

 

الوعي الفلسطيني المتشكك

بلا شك أن الوعي الفلسطيني عامة متردد بتصديق أن هناك تغييرًا، أو أن هناك منعطفا حقيقيا وأمل بالخروج من المأزق! وهو أيضا متشكك ومتخوف كثيرا من "حماس" لسبب سيطرتها المحكمة على غزة، والتشكك بعدم رغبتها أو عدم امتلاكها الإرادة لإعادة قطاع غزة للحضن الوطني العام، ومتشكك بإمكانية اعتذارها لكل الشعب الفلسطيني عما فعلت بوعد حرمة تكراره.

كما لا يبتعد عن الظن ما يحدّث الحمساويون به أنفسهم، ويصرّحون به علنًا، من ضعف حرية الحركة لهم أو منعها من قبل الأجهزة الامنية في الضفة والاعتقالات التي يماثلها ما تقوم به أجهزة حماس الأمنية وبشكل متطرف ضد أبناء فتح والمعادين أو من تعتبرهم المعادين لها في غزة.

إذن التشكك والتردد والحذر من قبول فكرة أننا وجدنا مخرجا لأزماتنا؟ وأن المصالحة تحققت! مازال العنوان الرئيس لشكل حالة النظر في غالب الشارع الفلسطيني، لا سيما أن إفرازات الانقلاب فالانقسام كثيرة، والتساؤلات بالشارع لن تُحل بالأقوال، بل كما قال جبريل الرجوب عبر (تقديم نموذج مشترك يقبله شعبنا، والمجتمع الدولي).

(إن سيناريو الاحتفاظ بغزة لم يعد السيناريو الوحيد في فلسفة حماس) مما قاله الرجوب يفتح آفاقا جديدة، ومساحات جيدة للتفكير ومزيد من الحوارات.

نحن في ظل حالة التشكك وضعف الأمل لدى الجماهير محتاجون لمبادرات ذاتية ثنائية -كما حصل بين حركة فتح وحماس-ولمبادرات جماعية بين مختلف الفصائل، ولربما مع منظمات المجتمع المدني والنقابات لاحقًا، كما نحتاج كما قال الرجوب (لمجموعة خطوات لبناء الثقة وخارطة طريق وأمل).

من أبرز العقبات في طريق المصالحة عقدة الشراكة التي قد يراها الجمهور تقاسمًا ثنائيا لا ديمقراطيا بين الفصيلين، وقد يراها البعض الآخر إغفالا لمفهوم التنوع المجتمعي، أو شطبًا لمفهوم الانتخابات التعددية.

لذا من المتوجب أن يتكرّس مفهوم الشراكة الوطنية والتداول والديمقراطية والحوار في داخل الفصيل، وفي الثقافة التنظيمية الداخلية ليس بمنطق الثنائية التنظيمية-الحزبية وإنما بمنطق الجماهيرية عبر أطر ثلاثة هي أولا: عبر السلطة الوطنية الفلسطينية ومجلسها التشريعي، وعبر الشراكة الوطنية الشعبية في الميدان (حيث المقاومة الشعبية وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) وفي إطار التوافقات ضمن السقف الوطني الواسع بالداخل والخارج أي في منظمة التحرير الفلسطينية.

عندما وجّه السؤال للأخ جبريل حول التعامل مع حماس من المتشككين في حركة فتح بأيديولوجية حماس الإقصائية، ولعبها التكتيكي -كما رأوا- دور الواقعية السياسية المؤقت، قال بوضوح: أننا يجب أن نتعامل معها بالقيم والمبادئ والأخلاق: أي بالمصداقية وتكريس أسباب الثقة والشفافية، وإلا بغير ذلك لن نتقدم خطوة على طريق الديمقراطية.

 

عقبة المحاور

كيف تم تجاوز عقبة المحاور العربية والإقليمية، والضغط العالمي؟

كان سؤالا حائرًا في كل اللقاءات، فلِم لم نستطِع تجاوز هذه العقبة قديما، وتجاوزناها اليوم كما يبدو؟

لم نخرج إلا بجواب واحد هو المقولة الشهيرة المنسوبة للإمام الشافعي الفلسطيني المولد: ضاقت فلما استحكمت حلقاتها..... فرجت وكنت أظنها لا تفرج.

وفي إطار الشرح للأخوة في اللجنة المركزية -بالاجتماع الذي ضمّنا- رأوا أن الانتخابات التشريعية كبداية فإنها تزيل عقبة تجديد الشرعية الفلسطينية التي تلقيها بعض الدول في وجهنا ومنها الحريص بالتأكيد، ومنها المتحجج! من حيث تقول: اذهبوا وتوحدوا أولا! ثم كلّمونا. وهي في حقيقة الأمر حجّة تستخدم كغطاء على انسحاق بعض الدول تحت إمرة المحور الذي تمثله أو استجابة لإملاءات المحور الأمريكي الصهيوني، والمفاجئ في الأمر أن بعض هذه الدول ذاتها تحرضنا على عدم إجراء الانتخابات؟

إن دول الإقليم تقف مشدوهة أمام التقدم الفلسطيني بالملف الداخلي، وإن كان بطيئا ولكنه يمثل تقدمًا هامًا، حيث أن منها من تشجّع خطواتنا أو لربما تطور موقفها لتستضيف وترعى لاحقًا ما نبتغي الوصول اليه من إعلان الرئيس للمرسوم ب(الانتخابات بالترابط والتتالي).

وما لم يقله الأخوة باللجنة المركزية لكنه كان واضحًا وضوح الشمس أن بعض الدول الأخرى والمحاور ترفض إجراء الانتخابات الفلسطينية، لسبب بسيط لأن ذلك يضرّ بمصالحها ويوقف لعبها على الحبلين ويضعف من مكانتها أمام السيد الإقليمي، أو العالمي أو حتى أمام "إسرائيل"!

لقد سقط الجدار العربي، وأصبحت "إسرائيل" جارتهم الحميمة!؟ وصديقتهم! إذن لنستند الى الجدار الوطني فيما العرب وفي الجامعة العربية كانوا بين صامت أو شريك للأمريكي الصهيوني، وهم الى ذلك قبلوا "إسرائيل" قبل حلّ القضية الفلسطينية! واستقلال الدولة الفلسطينية.

حيث أن (كل من بالإقليم المنهار يريد أن يسدد حسابات من جيبنا ولن نسمح بذلك) مما قاله الرجوب.

وأتبعه الأخ روحي فتوح حين قال: أننا (رمينا حجرًا في بركة راكدة)، ورغم الصدام الحاصل مع بعض الدول، فإننا عازمون على التقدم نحوها بوحدتنا، لا سيما أن "إسرائيل" أصبحت عضوا في محور التطبيع العربي!

 

خطة إنقاذ ومربعنا، والحوار

قال الأخ جبريل الرجوب: أننا بحاجة لخطة إنقاذ وطنية شاملة للمشروع الوطني، لنبقى نقود الشعب الفلسطيني ونحن على ذلك قادرون، وبدون إعادة الاعتبار لحركة فتح فنحن واهمون.

وأضاف: ليعلم القاصي والداني أننا أحرار مستقلون ذوو إرادة، نعرف كيف نقول لا، ولا نخاف. ونحن في حركة فتح الأحرص على الحالة الفلسطينية الوطنية، كما نحن حريصون حتى على خصومنا أيضا، والصدام والاشتباك مع الصهيوني هو مرتكز وجودنا، لذا فالكل قد جاء الى مربعنا نحنُ.

بلا شك أن المنظور الجديد الذي نأمل أن يكون اتباعه تجديدا لسُنة الثورة الفلسطينية الأثيرة بالحوار الداخلي وتمتين العلاقات البينية، ما درجت عليه سياسة الراحل الخالد ياسر عرفات ثم لاحقًا محمود عباس، في مختلف حالات الاختناق أو الاشتباك او الصراع الداخلي.

لم يكن أبوعمار يجد أي فرجة إلا ودخل منها لتحقيق التقارب والحوار والتوافق الوطني، الى أن جاءت "حماس" وظهرت في الفضاء الوطني! ووضعت بعقليتها العميقة الأيديولوجية سدًا منيعًا أمام الحوار! فهي البديل وهي الأصيل وهي الدين وهي الدنيا وهي المقاومة؟! ضمن عقلية الأبيض والأسود، أو نموذج إما نحن أو هم الإقصائي! وهي العقلية التي لم تحملها حتى الجبهة الشعبية في أشد حالات الخلاف بين حركة فتح وفصائل المعارضة.

ما يعني بكل بساطة أن العائق الفكراني "الأيديولوجي" عندما يوضع على الطاولة، ومع النزق والهوى والمصالح الشخصية، ومع تلاعب المحاور، فإن إمكانية التقدم تصبح صفرا.

نعم مازلنا حذرين، ولكن ثقتنا بأنفسنا كفلسطينيين كبيرة وعميقة، كما قال روحي فتوح باللقاء الجامع، وسنوسع من دائرة الحوار مع كل الفصائل لأن مشروعنا هو تحقيق الوحدة الوطنية الناجزة وبدءا من الانتخابات التشريعية.

حين تكون مباديء الواقعية السياسية في ظل تجذر الحق العربي الفلسطيني -الذي لايزول- مطلقًا، وفي ظل الفهم الوطني الحضاري الجامع، وبمعنى تطبيق مبدأ الحرية وتقبل الآخر عبر الحوار معه هي معنى النظرية التشاركية والتداولية وبآليات التقبّل والاعتراف والتجاور دون إزاحة أو إقصاء، فإننا نكون فعلاً على درب الوحدة والتحرر، وإن نصر الله لقريب.

 

 

التعليقات على خبر: هل حصل اختراق في ملف المصالحة الوطنية؟

حمل التطبيق الأن