(إسرائيل) والسودان

(إسرائيل) والسودان

اخرى قبل 1 شهر

(إسرائيل) والسودان

د.سالم سرية

ان خطوة تطبيع النظام السوداني مع اسرائيل قد جعلت الخرطوم عاصمة اللاءات الثلاث تتحول الى عاصمة النعم الثلاث . وعلى صعيد ذاتي (وطني )كانت شبيهه بالفرد الذي بات يعشق الخنجر الذي شطره الى قسمين وأسال دمائه  . ذلك علينا ان نتذكر ان دولة جنوب السودان تبلغ مساحتها 648 الف كم2 (تعادل مساحة فرنسا, واكثر من نصف مساحة مصر )ويقطنها 8 مليون نسمة وتضم 85% من احتياطي نفط السودان !!!!!!) قد بترت من جسم الامة العربية وأصبحت قاعدة للكيان الصهيوني لا تقض مضجع الامن القومي لمصر والسودان فقط بل للامن القومي العربي برمته.

فهل استقل الجنوب عن الشمال بمحض ارادته وبإمكانياته الذاتية (أو لأسباب ذاتيه كما يشاع ) ام انه كان ثمرة جهود مضنية ولسنوات طوال للكيان الصهيوني ؟؟؟

هذا ما فصله الباحث ابراهيم عوده في اطروحة ماجستير ومعه دراسات وكتب عديدة كان ابرزها كتاب: "إسرائيل وحركة تحرير السودان.. نقطة البداية ومرحلة الانطلاق".   للعميد الإسرائيلي المتقاعد موشى فرجي -مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة تل أبيب عام 2002 . ( إن الإستراتيجية التي قامت عليها إسرائيل منذ نشأتها الأولى تحددت بموجب ما ذكره مؤسسها ديفد بن غوريون حين قال "نحن شعب صغير‏,‏ وإمكانياتنا ومواردنا محدودة‏,‏ ولا بد من العمل على علاج هذه الثغرة في تعاملنا مع أعدائنا من الدول العربية‏,‏ من خلال معرفة وتشخيص نقاط الضعف لديها‏،‏ خاصة العلاقات القائمة بين الجماعات العرقية والأقليات الطائفية‏,‏ بحيث نسهم في تعظيمها‏,‏ لتتحول في النهاية إلى معضلات يصعب حلها أو احتواؤها"‏.)1‏.( لقد بدأت إسرائيل عام 1953 دعم معسكر استقلال السودان عن مصر، هادفة إلى تحجيم فرص إضافة أرصدة جديدة إلى قوة الدولة المصرية. فأقدم البريطانيون على توفير قنوات اتصال بين “حزب الأمة” وإسرائيل حيث التقى كل من الصادق المهدي ومحمد أحمد عمر بالسكرتير الأول للسفارة الإسرائيلية في لندن، موردخاي غازيت، وانصبت المطالب في اللقاء على تقديم مساعدة إسرائيلية لحزب الأمة من أجل الحصول على الاستقلال، واستمرت هذه العلاقة مع حزب الأمة حتى حصول الانقلاب الذي وصل بموجبه  الفريق إبراهيم عبود إلى الحكم.ثم انتقلت إسرائيل إلى محاولة التفاعل مع الانفصاليين السودانيين بعقد مقارنات تفيد بأن الجماعات الأثنية في السودان تتعرض لاضطهاد كذاك الذي تعرض له اليهود عبر التاريخ.)2 أما وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي آفي ديختر فقال عام 2008: ("السودان بموارده ومساحته الشاسعة وعدد سكانه يشكل عمقا استراتيجيا لمصر، وقد تحول إلى قواعد تدريب لسلاحها الجوى وقواتها البرية بعد حرب 1967 وأرسل قوات إلى منطقة القناة خلال حرب الاستنزاف، وكان لا بد أن نعمل على إضعافه وحرمانه من بناء دولة قوية موحدة من أجل دعم أمننا القومي، فأقدمنا على خلق وتصعيد مشكلة دارفور لكي لا يجدوا وقتا لتعزيز قدراتهم، وهى الإستراتيجية نفسها التي نفذناها في الجنوب ونجحت في تغيير اتجاه السودان نحو التأزم والانقسام وستنتهي الصراعات بتقسيمه إلى عدة كيانات.. إن قدرا كبيرا من أهدافنا تحقق في الجنوب ولدينا الآن الفرصة لتحقيقه في دارفور". وقد ورد كلام ديختر أثناء محاضرة رسمية ذكرتها العديد من الصحف العبرية الصادرة بتاريخ 10 أكتوبر /تشرين الأول 2008)3.

يشير ابراهيم عودة في اطروحته  الى ان تغلغل اسرائيل في جنوب السودان يعود الى عام 1958 ويقسم مراحل العلاقة بينهما الى تسعة مراحل (ص 62-112) .الا ان التصاعد الجدي بالدعم بالسلاح والتدريب والمال بدأ منذ عام 1967 -2011.حيث(بدأت العلاقات بين إسرائيل وجنوب السودان برسالة شخصية بعث بها جوزيف لاقو إلى ليفي أشكول رئيس وزراء إسرائيل بعد أيام من حرب 1967 عبر السفير الإسرائيلي لدى أوغندا، مهنئا إياه بالنصر على العرب وواصفا الإسرائيليين بأنهم شعب الله المختار، وقد لاقى ذلك الاتصال استحسانا وأذنا صاغية من أشكول . وقد انتهجت تل أبيب سياسة "شد الأطراف" للضغط على مصر والعرب في إطار الصراع على أرض فلسطين، وذلك بضرب المصالح المصرية في عمقها الاستراتيجي بالسودان)4. . وقالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في29يناير /كانون الثاني 2011 ( دعت رئيس الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير جوزيف لاقو لزيارة إسرائيل والتقاها في القدس واتفقا على صفقة أسلحة شملت قذائف هاون وصواريخ مضادة للدبابات ومدافع خفيفة من غنائم حرب 1967، لكنها رفضت تزويده بأسلحة إسرائيلية الصنع حتى لا ينكشف دورها إذا وقعت في أيدي الجيش السوداني. وبعد وصول الأسلحة إلى جوبا زار الجنوب مستشار عسكري إسرائيلي وآخر فني وثالث طبي وتولوا تدريب المتمردين على استخدام الأسلحة وكيفية إدارة المعارك في الميدان).8. . وعندما أغلق الرئيس الأوغندي عيدي أمين السفارة الإسرائيلية وطرد الإسرائيليين من بلاده بضغط من مصر وليبيا، جرى نقل الأسلحة الإسرائيلية عبر إثيوبيا وساهمت كينيا بتزويد الطائرات التي تنقلها بالوقود)5 ويشير موشي فرجي (أن إسرائيل زودت حركة تحرير السودان بقيادة جون قرنق (1983-2005) بالأسلحة تم تمريرها عبر إثيوبيا وأن قرنق طلب منها مزيدا من الذخيرة عام 1992 وتقدر بنحو أربعة ملايين طلقة مدفع رشاش)6. كما اعترف الرئيس السابق للاستخبارات الإسرائيلية عاموس بادلين في ديسمبر/ أيلول 2010 بمساعدة الانفصاليين في الجنوب بقوله: (إن رجاله أنجزوا عملا عظيما في السودان بنقل أسلحة لهم وتدريبهم ومساعدتهم على إنشاء جهازي أمن واستخبارات، ونشر شبكات إسرائيلية في كل من الجنوب ودارفور قادرة على العمل باستمرار)7. وفي 1983، عاد  جون قرنق من الولايات المتحدة- حيث نال درجة الدكتوراه- وأسس التنظيم الجديد: "الحركة الشعبية لتحرير السودان" التي واصلت الحرب لتحقيق أهدافها حتى سيطرت تدريجيا على معظم الإقليم، ولم يتبق بيدي الخرطوم سوى المدن الأربع الكبرى وهي: جوبا وبور وملكال وتوريت، ولا شك أن قرنق كان مدفوعا من جهة ما لاستئناف التمرد ولكنه كان مقتنعا في قرارة نفسه أن الانفصال هو الحل برغم أنه ردد كثيرا مطلب الوحدة على أسس جديدة فيما سماه "السودان الجديد" .واستمرت الحال حتى عام 2005 عندما تم توقيع اتفاقية نيفاشا التي منحت الجنوبيين حق تقرير المصير عبر استفتاء عام في 9 يناير /كانون الثاني 2011 كان مآله الانفصال )8. (وفي عام 1989 استقبلت (إسرائيل) زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان (جون قرنق) والذي طالبها بضرورة تكثيف دعمها لحركة التمرد من خلال قيامها بتدريب عدد من الطيارين على قيادة المقاتلات الخفيفة لشن هجمات خاطفة على مراكز الجيش السوداني المتمركز في الجنوب، كما قدمت (إسرائيل) المساعدات المالية التي وصلت إلى (500) مليون دولار، كان يتم تغطيتها من خزانة وكالة المخابرات الأمريكية وبموجب اتفاق سري مع أجهزة الاستخبارات (الإسرائيلية) في نطاق التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الامريكية )9.

(أقامت (إسرائيل ) جسر جوي إلى مناطق الحركات المسلحة وقدمت لهم انواع الاسلحة العسكرية ، وكما أوفدت الخبراء العسكريين لتدريبهم ميدانياً، إذ تشير بعض المصادر إلى أن (إسرائيل) دربت في العام 1995 أكثر من سبعة عشر الف  من عناصر (الحركات المسلحة) في جنوب السودان  .كما قام الرئيس(سيلفا كير ميارديت ) بزيارة إلى  تل أبيب  في 20 ايلول من العام 2011، وقد عُبر عنها (سيلفا كير) بقوله “وقفتم إلى جانبنا على طول الطريق ، ولولا هذا الدعم لما قامت لنا قائمة” ، وقد جاء ذلك تعليقاُ  على قول الرئيس الإسرائيلي ، الذي تحدث عن العلاقات التاريخية لإسرائيل بقادة التمرد الجنوبي ، الامر الذي مثل كشفاُ لستار العلاقات السرية بين إسرائيل وحركات التمرد في جنوب السودان)10

لقد تم اعداد قرنق بعناية فائقة في امريكا للقيام بهذا الدور كما تم العناية بحفتر وكرزاي وغيره من قبل .ولكنه غير قناعاته فيما بعد بشأن الانفصال فتم اسقاط طائرته وقتله .

(وتسجل الذاكرة الوطنية السودانية بتقدير كبير الدعم السياسي والعسكري الذي قدمه العراق بقيادة المرحوم صدام حسين للحكومات السودانية في الفترة من عام 1987 وحتى عام 2003 ،رغم ظروفه الصعبه والذي تجلى في تعزيز القدرات العسكرية لحكومة السودان ومكنَّها من إسترداد وتحرير بعض المناطق التي كانت تسيطر عليها حركة التمرد سيما في منطقة النيل الأزرق.في الوقت الذي وقف فيه مبارك والقذافي الى جانب المتمردين.)11

ان سياسة اسرائيل نحو السودان قد انتقلت من مرحلة شد اطرافه واشغاله لغرض اضعافه الى مرحلة اخرى هي شد الاطراف ثم البتر .كما انها سياسة متواصله لبتر دارفور ثم كردفان وتتواطأ معها امريكا وفرنسا ايضا. ولنا في ذلك حديث آخر.

.الهوامش :

1-عدنان ابو عامر https://www.aljazeera.net/opinions

2 -اماني الطويل، اسرائيل واستراتيجيات تجزئة السودان، (انفصال جنوب السودان، المخاطر والفرص)من كتاب  (مجموعة باحثين) ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2012،

3  - ياسر ابو حسن ، التدخل  والدعم الإسرائيلي  للجنوب حتى مرحلة الانفصال ، مجلة المنتدى ، مركز الراصد  للدراسات  السياسية والاستراتيجية  ، السودان ،  العدد  الثامن  والعشرون ، سبتمبر  2014 , ص60

4-ابراهيم عوده –اطروحة ماجستير بعنوان –الدور الإسرائيلي في انفصال جنوب السودان وتداعياته على الامن القومي العربي –جامعة النجاح -2014-متوفرة عالنت

.5-اعداد : حسناء رياض عباس  – ماجستير في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية ، كلية العلوم السياسية –الجامعة المستنصرية- المركز الديمقراطي العربي-بحث قيم وثري بالمصادر.

6 - دهام محمد العزاوي، التدخل الصهيوني في مشكلة جنوب السودان، قضايا دولية، ، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد ،العدد 32، تشرين الاول  1999، ص 31.

7-عطية عسيويhttps://studies.aljazeera.net/en/node/3337

8 -عبد اللطيف فاروق احمد، انفصال جنوب السودان وتأثيراته على الامن القومي المصري، المكتب العربي للمعارف، القاهرة، 2016، ص193

9-10-11-من المصدر حسناء غباس –مصدرسابق- رقم5

التعليقات على خبر: (إسرائيل) والسودان

حمل التطبيق الأن