فى مؤتمر أقطاب الدول غير المنحازة من بلجراد بيوغوسلافيا

خطاب الرئيس جمال عبد الناصر فى مؤتمر أقطاب الدول غير المنحازة من بلجراد بيوغوسلافيا

اخرى قبل 1 شهر

خطاب الرئيس جمال عبد الناصر فى مؤتمر أقطاب الدول غير المنحازة من بلجراد بيوغوسلافيا

١/٩/١٩٦١

سيادة الرئيس.. أيها الأصدقاء:

إن وجودى هنا فى هذا المكان هو شرف عظيم لى، وهو فى نفس الوقت سعادة غامرة؛ أما الشرف فلأن مثل هذا الجمع ليس حدثاً عادياً فى التاريخ، فليس من السهل فى أى وقت أن يلتقى هذا العدد من الرؤساء وقادة الشعوب، وأن يجتمع بلقائهم كل ما تمثله شعوبهم من الحركة الإيجابية المستمرة من أجل شرف الإنسان وكرامته؛ هذه الحركة التى صنعت حضارات مبدعة فى الماضى، والتى تناضل فى الحاضر على جبهة عريضة تمتد إلى كل قارات الأرض؛ لتملك حرية العمل البناء من أجل التقدم، والتى تتطلع إلى مستقبل يقود خطاها إليه مثل أعلى من السلام القائم على العدل، ولست أذكر فى التاريخ القريب مناسبة تقرب من مثل ما ننشده الآن غير اجتماع باندونج العظيم، بآثاره الواسعة على حركة التحرير فى آسيا وإفريقيا، هذا بالطبع عدا المحاولة التى ساهم فيها عدد منا فى العام الماضى، عن طريق المشاركة فى أعمال الدورة الخامسة عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وأما السعادة فمبعثها أنه ليس من السهل أن تتاح للإنسان فرصة أن يعيش أحلامه حقيقة واقعة بعد أن كانت أملاً يجرب الوصول إليه. وإنى لأعرف أن مثل هذا الاجتماع لرؤساء الدول غير المنحازة كان فكرة راودت الكثيرين ممن يشغل بالهم مصير السلام، والذين يقلقهم هذا الصراع العنيف بين الكتل، ويتمنون لو وجدوا السبيل ليجنبوا العالم كله - وليس شعوبهم وحدها - شرور الخطر المدمر الذى يمكن أن يحل بالبشرية إذا ما وصل هذا الصراع العنيف بين الكتل إلى مداه. من هنا فإن امتنانى سوف يظل أبدياً للفرصة التى أتاحت لى أن أشارك فى وضع توقيعى على الدعوة لهذا المؤتمر، ثم للفرصة التى أتيحت لعاصمة الجمهورية العربية المتحدة لتكون بيتاً للاجتماع التحضيرى لهذا المؤتمر، ثم للفرصة التى جاءت بنا إلى عاصمة هذا الشعب اليوجوسلافى الكريم، نحمل معنا الآمال الكبرى لشعوبنا من أجل السلام الذى هو أمل هذا الشعب الذى فتح لنا اليوم بيته لنلتقى فيه ولندرس، ولنخرج عن أعمالنا هنا بعد ذلك إرادة عمل متجردة ونزيهة، تضع نفسها فى خدمة قضية السلام.

وحين كان لى شرف الاجتماع بالصديق الرئيس "جوزيف بروز تيتو"، فى القاهرة والإسكندرية فى أواخر إبريل من هذا العام، تدارسنا الموقف الدولى منذ كان آخر اجتماع لنا قبل ذلك معاً، ومع البعض من الأصدقاء الرؤساء هنا، أثناء فرصة اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة فى شهر سبتمبر من سنة ١٩٦٠.

ولقد كان موضع الاهتمام منا، وموضع القلق الكبير، أن هذه المحاولة التى شارك فيها البعض منا بكل ما يتسع له جهده لم تستطع أن تحقق للسلام العالمى ما كان مرجواً منها، بل لعلنى لا أذهب بعيداً مع التشاؤم إذا قلت إن تطورات الأمور بعدها أوضحت لنا بجلاء أن الحرب الباردة تزداد حدة مع كل يوم، وإنها بهذه الحدة قد تخلق الجو الذى يصبح فيه الصدام المسلح بين الكتلتين الكبيرتين أمراً لا مفر من تجنبه. ولقد كان مؤلماً على نفوسنا أن نتبين أنه برغم كل الآمال التى حملناها معاً إلى نيويورك، تعبيراً عن رغبات شعوبنا وكل الشعوب، فإن احتمالات السلام بعد اجتماعات الجمعية العامة لم تحصل على ما كنا نريده لها من تعزيز وتوكيد.

وحين التقيت بالرئيس "تيتو" بعد أقل من سبعة شهور من اجتماعنا فى نيويورك راعنا أن الشواهد الحية من حولنا تؤكد أن التدهور فى الموقف الدولى يمضى بسرعة، وأن الخطر يزداد اقتراباً. وفى شهر سبتمبر الماضى فى نيويورك مثلاً كنا نحاول أن نحرك الضمير العالمى من أجل ما حدث فى الكونجو لشعب الكونجو نفسه، ومن بعده للأمم المتحدة التى علقنا عليها أمل إنقاذه فإذا هى تتعرض معه لنفس الخطر، ولقد كان "لومومبا" - الأسير فى ذلك الوقت - رمزاً حياً لأزمة الحرية فى مواجهة الاستعمار. ومع ذلك فحين عدنا إلى الاجتماع فى شهر إبريل الأخير فى القاهرة كانت أصداء مقتل "لومومبا" بطريقة وحشية ما تزال تتجاوب فى العالم كله، تعلن أن الأزمة قد تحولت إلى مأساة كاملة وخطيرة فى معانيها وفى عواقبها.

وفى شهر سبتمبر الماضى فى نيويورك كان كثيرون بيننا وجدوا من واجبهم أن يرفعوا أصواتهم بالاحتجاج ضد المعاملة الشاذة التى لقيها وفد كوبا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، أثناء إقامته فى البلد الذى شرفته الأمم المتحدة باختياره مقراً لها. ومع ذلك فحين عدنا إلى الاجتماع فى شهر إبريل الأخير فى القاهرة كانت جمهورية كوبا تتعرض لعملية غزو طائشة وحمقاء، لدرجة أننا وجدنا أنفسنا بعد ساعات قليلة من لقائنا أمام ضرورة إصدار بيان عاجل يدمغ العدوان على كوبا، ويؤيد نضال شعبها الباسل، وذلك دون انتظار لانتهاء محادثاتنا الرسمية بعد أيام.

وفى شهر سبتمبر الماضى فى نيويورك كنا نحاول - بكل ألوان الضغط الأدبى - أن نجعل الدول التى تمارس سياسة التفرقة العنصرية تعدل عن هذا الطريق المضاد للإنسانية. وكنا نتصور أن تجميع قوة ظاهرة من الرأى العام العالمى ضد هذه السياسة كفيل بإقناع الذين يمارسونها بأن منطق العصر والقيم الإنسانية فيه لم تعد تسمح بهذه التفرقة البشعة بين الناس بقصد الإمعان فى استغلالهم، ومع ذلك فحين عدنا إلى الاجتماع فى شهر إبريل الأخير فى القاهرة كان الأمر قد وصل بإحدى الدول التى تمارس التفرقة العنصرية، وهى حكومة جنوب إفريقيا، إلى حد القطيعة الرسمية مع الدنيا كلها لكى تواصل سيرها فى الطريق الذى تندفع إليه بلا شرف ولا خجل. وحين كان لى شرف الاجتماع بالرئيس "المارشال تيتو" فى القاهرة والإسكندرية - فى ذلك الوقت من شهر إبريل الأخير - كانت هناك بضعة من شموع الأمل ما زالت صامدة للعواصف، تحاول أن تبقى شعلتها مضيئة وسط الظلام، ومن سوء الحظ أن ما حدث فى الفترة ما بين اجتماعنا فى نيويورك، فى سبتمبر، إلى يوم اجتماعنا الأخير، فى إبريل تكرر حدوثه أيضاً فى الفترة ما بين اجتماعنا الأخير فى إبريل إلى هذه اللحظة التى نلتقى فيها هنا.

استمرت احتمالات السلام تزداد تعرضاً للخطر، ومضى التدهور فى الموقف الدولى دون توقف، وراحت العواصف تحاول أن تطفئ شموع الأمل التى كنا نراها أمامنا واحدة بعد واحدة.

وفى شهر إبريل الأخير فى القاهرة، كان هناك أمل فى احتمال قيام مفاوضات مباشرة بين الحكومة الفرنسية وبين حكومة الثورة الجزائرية ممثلة الشعب الجزائرى وصورة إرادته الشرعية.

وكان الرجاء يراود قلوبنا فى أن تستطيع هذه المفاوضات المباشرة أن تضع حداً للاستعمار الفرنسى فى الجزائر، وأن تمنح الشعب الجزائرى حقه الثابت الذى أخلص فى النضال عنه بدمه خلال أكثر من سبع سنوات عصيبة دامية، ومع ذلك فها نحن اليوم فى شهر سبتمبر فى بلجراد، ومعنا حكومة الجزائر الحرة التى لم تستطع - برغم كل نواياها الطيبة واستعدادها النبيل من أجل السلام - أن تصل إلى نتيجة مع سلطات الاستعمار الفرنسى، بل إنه مما يستوجب الدهشة أن القتال المسلح فى الجزائر لم يلبث أن انتقل إلى تونس جارة الجزائر، حيث تعرضت مدينة بنزرت المسالمة لانقضاضة استعمارية غادرة لطختها بالدم، وحولت الحياة فيها إلى أنقاض ورماد، كل ذلك لأن حكومة تونس طالبت الاستعمار الفرنسى أن يجلو عن القاعدة المغتصبة فى بنزرت.

كذلك فى شهر إبريل الأخير فى القاهرة كنا نعلل النفس بأن الاستعمار اليائس، المتراجع أمام ضربات الشعوب المتحررة سوف يراعى اعتبارات الضمير العالمى اليقظ، وأنه على الأقل سوف يحاول إخفاء ملامحه الشرسة الضارية، ومع ذلك فها نحن اليوم فى شهر سبتمبر فى بلجراد، وفى معلوماتنا جميعاً صورة واضحة لما حدث فى أنجولا من القتل الوحشى الجماعى، ومن الإرهاب الواسع المدى الذى تصبه حكومة البرتغال الاستعمارية ضد محاولة شعب أنجولا للتقدم نحو تقرير المصير ونحو الحرية.

كذلك فى شهر إبريل الأخير فى القاهرة كان فى الأفق الدولى انتظار وترقب لاجتماع يعقد بين أقطاب الكتلتين، وهو اجتماع حاولنا أن نمهد له فى نيويورك وندعو لعقده.

ولقد تحقق الانتظار والترقب عندما أعلن عن موعد هذا الاجتماع فى فيينا بين الرئيس "نيكيتا خورشوف" رئيس وزراء الاتحاد السوفيتى وبين الرئيس "جون كيندى" رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ومع ذلك ها نحن اليوم فى شهر سبتمبر فى بلجراد والحقائق من حولنا تؤكد أن الاجتماع الذى انتظرناه وترقبناه، بل ومهدنا له ودعونا إليه، لم يحقق ما كان معلقاً عليه من الآمال، بل لقد وجد العالم نفسه فى أعقاب هذا الاجتماع يواجه ذروة من ذرى الخطر تقترب به من حافة الهاوية.

وإننا لنكاد اليوم نسمع أصداء طبول الحرب التى تتصاعد من برلين - على حد تعبير الصديق الرئيس "جواهر لال نهرو" - وها نحن اليوم نجد البشرية كلها على وشك أن تعيش محنتها الكبرى على ذلك الخط المصطنع الذى يمزق الشعب الألمانى إلى شعبين، يتربص كل منها بالآخر، وتتحول أرض كل منهما إلى ترسانة تتحفز ضد الأرض الأخرى التى هى بحكم الطبيعة والتاريخ قطعة منها وامتداد لها. وإنه لمن العجب حقاً أن نجد أن مشكله تقسيم ألمانيا - وهى نتيجة مباشرة من نتائج الحرب العالمية الثانية - توشك أن تشعل نيران الحرب العالمية الثالثة؛ أى أن تصفية آثار حرب مضت تهددنا بويلات حرب جديدة.

فى ذلك الوقت شهر إبريل سنة ١٩٦١ - عندما كان لى شرف الاجتماع بالرئيس "تيتو" فى القاهرة والإسكندرية - كنا مقتنعين بأن السلام العالمى، الذى نتحمل جميعاً مسئوليته بقسط متكافئ، يحتم على كل القادرين على خدمة السلام أن يتجمعوا للدفاع عنه.

ولقد كان تقديرنا الذى التقينا فيه مع الأصدقاء الذين شاركوا فى الدعوة لهذا المؤتمر، ومع الأصدقاء الذين شاركوا فى تحقيقه بالاستجابة لحضوره، هو أن الدول غير المنحازة قادرة، بحكم نظرتها النزيهة المتجردة إلى المشاكل التى تواجه السلام العالمى، أن تؤدى دوراً إيجابياً فى خدمة هذا السلام.

ومن حسن الحظ أن الاجتماعات التحضيرية التى عقدت فى القاهرة فى النصف الأول من شهر يونيو قد استطاعت أن تمهد لعقد المؤتمر.

كذلك فإن المراسلات التى تبادلناها جميعاً خلال هذه الفترة، حتى حضورنا هنا، استطاعت أن تفتح الطريق - برغم كل الظروف - أمام هذا العدد الكبير منا ليجئ إلى بلجراد، وليشارك فى أعمال هذا المؤتمر، وأضيف على الفور ليشارك فى إنجاح هذا المؤتمر؛ ذلك أنه من المحتم فى يقينى أن ينجح هذا المؤتمر لعده أسباب:

أولاً: لأنه لا توجد قوة قادرة على خدمة السلام مثل مجموعة الدول التى تتبع سياسة عدم الانحياز؛ فإن هذه الدول التى تعيش مشاكل عالمها ولا تنعزل عنها أو تنفصل، والتى لا تخضع فى مواقفها من هذه المشاكل لضغط كتلة من الكتل تحدد لها مواقعها وترسم لها اتجاه خطاها، والتى تصدر فى كل ما تراه بشأن هذه المشاكل عن دافع السلام القائم على العدل، بصرف النظر عن أى اعتبار آخر.. هذه المجموعة من الدول أقدر على أن تضع فى خدمة السلام، بنزاهة وتجرد، كل طاقتها المادية والمعنوية.

ثانياً: أننا على هذه الصورة أقدر على الحركة الطليقة النزيهة المتجردة بين الكتلتين؛ تقريباً لأسباب الخلاف بينهما، وتدعيماً لإمكانيات التفاهم، خصوصاً وأن سياسة عدم الانحياز أصبحت موضع احترام قوى دول العالم كله، بما فى ذلك الدول الداخلة فى نطاق الكتل الكبرى.

 

ثالثاً: أننا نتيجة لهذا كله نتحمل مسئولية خاصة تجاه السلام؛ أمل شعوبنا وأمل شعوب الأرض كلها.

رابعاً: أننا فى جو السلام وحده نستطيع أن نطور الحياة فى بلادنا، وأن نزيد من خصوبتها الخلاقة.

خامساً: أننا فى جو السلام نستطيع أن نساعد شعوباً غيرنا كثيرة مازالت ترسف فى الأغلال، وتتطلع إلى الحرية من وراء الأسوار، وتتطلب منا أن نمد لها أيدينا لتبدأ من جديد فى صنع قدرها، وبالاختصار فإن علينا أن نكون قوة الضمير فى عالمنا الذى نعيش فيه.

وإذا كانت البشرية كلها الآن تحيى قوة العلم الذى استطاع أن يحلق فى الفضاء العالمى، ويجاوز نطاق الجاذبية الأرضية ويرتاد الأفق الجديد، فإننا هنا مطالبون بأن نجعل قوة الضمير تحقق ما حققته قوة العلم فى عصرنا، إننا هنا مطالبون بأن نجعل قوة الضمير تنطلق من أغلال الأنانية، وتجاوز نطاق جذبها، وترتاد أفقاً جديداً تحتاجه البشرية أكثر مما تحتاج آفاق الفضاء العالمى، وأعنى به أفق السلام؛ السلام القائم على العدل.

سيادة الرئيس.. أيها الأصدقاء:

على أننى أدرك تماماً أن العمل الذى نتعرض إليه ليس هيناً ولا سهلاً، إننى أدرك أن مثل هذا المؤتمر للدول غير المنحازة هو محاولة جديدة وجريئة فى عصر تحكمه التكتلات الكبرى، المدعمة بالقوة المادية والعلمية والعسكرية؛ كذلك أدرك أن مثل هذا المؤتمر للدول غير المنحازة هو محاولة لا تلقى الترحيب والقبول من جانب عدد كبير من القوى المعادية للسلام، وفى طليعتها قوى الاستعمار التى تريد أن تخنق كل صوت للضمير، وأن تطفئ كل شعلة للحرية لو استطاعت، كذلك أدرك أن مثل هذا المؤتمر للدول غير المنحازة هو محاولة تقابل بالشك من جانب الذين آثروا السلبية إما عجزاً وإما يأساً.

على أنه من بواعث الأمل الأولى فى نجاح هذا المؤتمر للدول غير المنحازة هو أنه اجتمع فعلاً، وأن شمله قد انعقد فى هذه القاعة، بكل ما يمثله وبكل ما يرمز إليه. ولكن هذا الأمل الذى تحقق أولياً هو فى حد ذاته مسئولية كبرى تضاف إلى مسئوليات هذا المؤتمر، وتحتم عليه أن يكون عمله تحقيقاً لأمله.

ومن هنا فإنى أستأذنك - يا سيادة الرئيس - وأستأذنكم - أيها الأصدقاء - أن تسمحوا لى بأن أضع أمامكم تصورى وتصور وفد الجمهورية العربية بعمل هذا المؤتمر تحقيقاً لأمله، ولأن المحاولة التى نتعرض لها اليوم جديدة وجريئة فإنى أستأذنكم فى أن أشرح لكم تصورى فكراً بصوت عال، كما يقولون. وعلى هذا المنطق؛ منطق التفكير بصوت عال فإننى أريد - يا سيادة الرئيس - قبل أن أتحدث عن تصورى للطريقة التى يمكن لنا أن نقترب بها من عملنا، أن أقف لحظة أمام بعض الاعتبارات التى يجب علينا أن نبتعد بعملنا عنها، وكما قلت فإن كل ما أهدف إليه بدافع الرغبة فى إنجاح هذه المحاولة الجديدة الجريئة، التى تجمعنا هنا، هو أن أحاول تقليب الأمور على وجوهها المختلفة، فكراً بصوت عال على مسمع من حضراتكم.

أولاً: أظننى لا أتجاوز حدى إذا قلت إنى أشعر أننا جميعاً على اتفاق فى أنه لا ينبغى أن يكون فى طريقة عمل هذا المؤتمر، ولا فيما يصل إليه من قرارات، ولا فيما يتركه بعد ذلك من آثار على الرأى العام العالمى، ما يمكن أن يوحى من قريب أو بعيد بأن الدول الملتزمة بسياسة عدم الانحياز تصنع بنشاطها كتلة دولية ثالثة.

إننا نعيش فى عالم يعانى من الصراع بين كتلتين، ولا نتصور أن تدخل الحلبة كتلة ثالثة تزيد من حدة هذا الصراع بدلاً من أن تخفف وطأته.

إن أبرز ما يجمعنا هو التحرر من أى قيد، خلا ما تفرضه المبادئ، ورغبة كل منا بقدر طاقته أن يخدم هذه المبادئ. والحافز الذى جمعنا اليوم هنا بالذات هو الحافز الذى لا يمكن بغير توفره أن تتاح الحياة لأى مبدأ من المبادئ؛ وأعنى به حافز السلام. واجتماعنا اليوم هنا هو محاولة لحشد الجهود المؤيدة للسلام ومحاولة للتنسيق بينها من أجل زيادة فاعلياتها وتأثيرها.

ثانياً: إننا لسنا هنا أمماً متحدة داخل الأمم المتحدة؛ أعنى أننا لسنا دولاً متميزة عن باقى الدول الأعضاء فى المنظمة العالمية للشعوب الحرة، وإنما نحن جزء لا يتجزأ منها ولا ينفصل عملنا عنها، ولا يبتعد عن نطاقها.. كل ما عندنا أننا نشعر بمزيد من الطاقة من أجل مزيد من الخدمة الدولية العامة، ومبعث هذه الطاقة هو تحررنا من كل قيد إلا قيد المبدأ.

ثالثاً: أن من المفيد أن تكون المبادئ هى إطار حركتنا، وهى الضوء الكاشف الذى نواجهه بحثاً عن الحقيقة. على أننا فى بحثنا عن الحقيقة يجب علينا أن نحتفظ بحريتنا كاملة؛ سواء فى النظر إلى المشاكل، أو فى تحليل دقائقها، أو فى الوصول بها منطقياً إلى الاتجاه الصحيح.

 

وليس ينبغى لنا أن نقيد أيدينا بما فعله غيرنا، ولا أن نفرض على فكرنا كل القيود الطارئة. ينبغى لنا أن نحرر فكرنا من الأثقال، وأن نحرر الأزمات نفسها من الأثقال، وأن نرد الأمور إلى أصولها، ولا ننظر إليها من حين نجدها الآن، وإلا فإننا بذلك نمشى على نفس الطريق الذى أوصل الأزمات إلى ذراها الخطيرة، من ذلك مثلاً أزمة ألمانيا، وأزمة ألمانيا فيما يبدو من ظواهر الحوادث الآن هى مشكلة المشاكل التى تواجه السلام، فليس من واجبنا فيما نرى أن نقف أمام الحائط الذى يبنى بين برلين الشرقية وبرلين الغربية ونتصور أننا قد وصلنا إلى طريق مسدود. إن الحائط الذى يفصل برلين الشرقية عن الغربية هو ظاهرة من ظواهر المشكلة الحقيقية، وهو عرض من أعراضها، وهو مرحلة سبقتها مراحل طويلة مهدت لها.

إن مشكلة برلين ومشكلة ألمانيا بعدها ليست هذا الحائط، وإنما مشكلة ألمانيا - لو أردنا أن نعيد المسائل إلى أصولها - نتيجة مباشرة لظروف الحرب العالمية الثانية التى أدت إلى تقسيم ألمانيا، ثم قيام نظام اجتماعى مختلف فى كل قسم من القسمين، ثم اشتداد الحرب الباردة بين المعسكرين الكبيرين الذى جعل احتمالات تباعد القسمين أقرب من وحدتهما، ثم الفشل فى الوصول إلى حل لنزع السلاح، وهو الوضع الذى جعل كلا من القسمين ترسانة موجهة ضد القسم الآخر.

إن الأزمة العنيفة التى وصلت إليها المشكلة الألمانية هى فى حقيقة أمرها أزمة التعايش السلمى، أزمة الاندفاع إلى السلاح بعد الفشل فى الاتفاق على نزع السلاح.

رابعاً: إن صورة هذا المؤتمر هى فى يقينى أقرب ما تكون إلى صورة تجمع من أجل السلام، ومن هنا فإنه من المهم فى تقديرى أن يكون هدف السلام - السلام القائم على العدل - هو الغاية الكبرى أمام هذا المؤتمر، ومعنى ذلك أننا يجب أن نكرس الجزء الأكبر من جهدنا لمشاكل السلام الكبرى عموماً، دون استنزاف للجهد أمام القضايا الفرعية، ففى هذا التكريس ضمان لأمرين لهما الأهمية الكبرى فى رأينا:

أولاً: أن يستطيع عمل هذا المؤتمر تركيز أكبر قدر ممكن من التأثير على المسألة الرئيسية التى يجتمع من أجلها.

ثانياً: أن يستطيع هذا المؤتمر بالتجاوز عن كل القضايا الفرعية أن يصل إلى إرادة عمل موحدة.

وأنتقل الآن بنفس منطق التفكير - أو محاولته - بصوت عال إلى الناحية الإيجابية من عملنا، ويخيل إلى - يا سيادة الرئيس - أنه من المفيد لنا أن نضع أولويات محددة للمشاكل الكبرى التى تواجه عالمنا، فإذا ما فرغنا من ترتيب الأولويات جاز لنا بعد ذلك أن ننتقل إلى البحث فى الوسائل والأساليب التى يمكن عن طريقها تنظيم الجهود العملية من أجل مواجهتها، ومن ثم الوصول إلى الحلول الصحيحة لها على هدى المبادئ وضوئها.

وأبدأ بأولويات المشاكل ثم أنتقل إلى المواجهة ووسائلها وأساليبها.

أولاً: إن التوتر الدولى الذى تعكسه الحرب الباردة بين الكتل هو نتيجة واضحة لعدم الإيمان الكافى بضرورة التعايش السلمى، والتعايش السلمى لا يمكن أن يكون هدنة مسلحة؛ وإنما التعايش السلمى بمفهومه الحقيقى هو التعاون الخلاق المثمر بين كافة الدول وبين كافة الأنظمة الاجتماعية؛ لتستطيع جميعاً أن تثبت جدارتها فى خدمة الإنسان الحر، ثم ليكون بينها التفاعل القادر على دفع التطوير المستمر لشعوب العالم جميعاً؛ سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

ثانياً: ونتيجة لعدم الإيمان بالتعايش السلمى فإن كل الآمال المعلقة على إيجاد حل لمشكلة نزع السلاح لم تجد حتى الآن مصداق أملها، بل إنه برغم الجهود التى بذلت من أجل نزع السلاح ووقف التجارب الذرية فإن زيادة التسلح هو الاتجاه السائد اليوم، أما نزع السلاح فلم يزد ما حققه عن أن يكون محادثات طويلة مضنية لم تصل إلى شىء يمكن الركون إليه أو الاعتماد عليه. كذلك مما يدعو إلى عميق الأسف أنه فى هذا الجو المشبع بالقلق وجدت حكومة الاتحاد السوفيتى نفسها فى موقف رأت فيه - من وجهة نظرها - أن تعود إلى إجراء التجارب الذرية، وقد كان ذلك القرار صدمة لى بقدر ما هو صدمة للرأى العام العالمى. على أنه مهما كان من دوافع الحكومة السوفيتية إلى هذا القرار فإن أهم ما فيه هو دلالته الواضحة على التدهور الخطير فى الموقف الدولى.

ومن المؤلم أن السباق فى التسلح لم يقتصر على الولايات المتحدة وعلى الاتحاد السوفيتى وحدهما، وإنما وجدنا دولاً أخرى تمعن - تحدياً للرأى العام العالمى - فى إجراء التجارب الذرية؛ كفرنسا، وتجريها فى أرض شعوب ترفض أن تكون أوطانها ميداناً لمثل هذه التجارب.

ثالثاً: فى هذا الجو الذى يتعلق السلام فيه بالتوازن الذرى المخيف تحاول قوى عديدة أن تستغل الموقف لصالحها، وفى مقدمة هذه القوى دول الاستعمار، والعناصر الرجعية المعادية للتقدم. ولقد وجدنا فرنسا تحارب شعب الجزائر بأسلحة حلف الأطلنطى، وروت البرقيات منذ أيام أن القنابل التى ألقيت على بعض مواقع الوطنيين فى أنجولا كانت من صنع الولايات المتحدة الأمريكية. والأخطر من أسلحة حلف الأطلنطى التى تحارب شعب الجزائر، ومن القنابل الأمريكية التى تلقى على شعب أنجولا، هو ذلك التغاضى الكامل عن كل مبادئ الأمم المتحدة تحت ضغط سياسة الارتباط بالأحلاف؛ كما رأينا فى موقف الولايات المتحدة الأمريكية من مشكلة العدوان على بنزرت أثناء عرضها على الجمعية العامة للأمم المتحدة.

رابعاً: وبرز الاستعمار الجديد يحاول أن يحقق نفس الأهداف الاستغلالية للاستعمار القديم، بوسائل تبدو فى مظهرها أكثر مسايرة لروح العصر، وفى هذا المجال أصبحت الأحلاف العسكرية موجهة إلى الجبهات الداخلية لشعوب تتطلع إلى الثورة على أوضاعها؛ لتحقيق آمالها، أكثر منها أدوات لمواجهة العدوان الخارجى. وكذلك جرى استغلال المعونات والتجارة وسياسة التكتلات الاقتصادية الاحتكارية لتكون ستاراً للسيطرة على موارد الشعوب واستنزافها لصالح المستغلين، ثم عمدت دول الاستعمار إلى تقسيم أوطان الشعوب، وإقامة قواعد فيها تمزق وحدة الأمة الواحدة، وتضع فى قلبها قاعدة للعدوان تستعملها عند الحاجة؛ كما حدث فى تجربتنا فى حرب السويس، بل ولجأت هذه الدول إلى استخدام هذه القواعد للتسلل البعيد المدى.

ولقد أثبت مؤتمر دول الدار البيضاء هذه الحقيقة، حين دمغ إسرائيل كرأس جسر للاستعمار الجديد فى إفريقيا وكأداة تحركها مطامعه ، بل ولم يتورع الاستعمار عن استعمال الأمم المتحدة ذاتها لتكون وسيلة يصل منها إلى أغراضه؛ كما رأينا جميعاً فى الكونجو.

وأخيراً تحت أعلام الاستقلال الملونة التى ارتفعت فوق عدد من البلدان حاول الاستعمار أن يسلب الحرية مضمونها الحقيقى، وأن يجعل من الاستقلال الوليد مجرد مظهر وشكل خارجى لا يعكس أى حقيقة أصيلة.

خامساً: وفى حمى الاستعمار - وفى القارة الإفريقية بالذات - ازدادت سياسة التفرقة العنصرية إمعاناً فى استغلال الإنسان للإنسان، والواقع أن منطق التمييز العنصرى هو ذاته منطق الاستعمار، وليست التفرقة بين البشر فى اللون إلا مقدمة للتفرقة بينهم فى الحقوق.

وما من شك فى تقديرنا أن نفس اليوم الذى سيشهد نهاية الاستعمار سوف يشهد فى الوقت ذاته نهاية التفرقة العنصرية.

سادساً: ولقد زادت احتمالات الخطر بالعلم الحديث، وكان المنطق أن تقل، ولسوء الحظ أن الطاقة الذرية التى تفتحت آفاقها أمام العقل البشرى لم توجه حتى الآن لخدمة التقدم السلمى للشعوب؛ وكذلك فإن انتصارات الإنسان الرائعة فى عالم الفضاء تفتح أمامه آفاقاً مشرقة ولكنها تهدده فى الوقت نفسه بأخطار رهيبة إذا ما استخدم القضاء لإقامة قواعد عسكرية انسياقاً مع حمى التسلح القائمة الآن.

هذه نماذج من المشاكل.

سيادة الرئيس:

فإذا انتقلت بعد ذلك إلى محاولة للتفكير فى الحلول التى يمكن أن نضعها على هدى المبادئ؛ لتكون مفاتيحها للمشاكل لوجدت ما يلى:

أولاً: إنه من المحتم الآن أن تخف قعقعة السلاح، وأن تترك فرصة للمفاوضات الهادئة على أعلى المستويات، فإنه لا خيار الآن بين أمرين: إما المفاوضات وإما الحرب.

وإنه يبدو لنا من الضرورى الآن أن يتم اجتماع للأقطاب فى أسرع وقت، ولا ينبغى أن يؤثر فينا أن محاولتنا فى نيويورك لم تستطع تحقيق اجتماع على مستوى القمة فى ذلك الوقت بين الرئيس الأمريكى والرئيس السوفيتى. وينبغى لنا فى ذلك الصدد أن نذكر أن أكثر من ٤٠ دولة أيدت هذا الاقتراح، كذلك ينبغى لنا أن نذكر أن الاجتماع الذى تم بين الرئيس "نيكيتا خروشوف" والرئيس "جون كيندى" فى فيينا فى شهر مايو الماضى كان تحقيقاً لهذا الاقتراح.

كذلك لا ينبغى أن يؤثر فينا أن الاجتماع الذى عقد فى عاصمة النمسا لم يحقق ما كان مرجواً منه؛ ففى الظروف التى يواجهها عالمنا اليوم لا يحق لأحد منا أن يستسلم لليأس، وإنما لابد للمفاوضات أن تجرى، وإذا لم تنجح فلابد أن نحاول من جديد؛ فإن المفاوضات هى الطريق الوحيد المأمون فى مثل الجو الملبد بالغيوم الآن. بل إن المفاوضات هى الطريق الوحيد للسلام القائم على العدل، ولا يمكن أن يقوم السلام على قواعد الصواريخ ذات الرءوس الذرية.

على أنه من واجبنا هنا أن نبحث فى توفير الجو الذى يمكن أن يجعل مثل هذا الاجتماع أكثر فائدة وجدوى، وإنه ليتحتم علينا - قبل أن ننهى اجتماعاتنا - أن تكون لدينا خطة واضحة لدفع المفاوضات بين الكتلتين إلى مجال التطبيق العملى.

ولا يمكن أن نترك رغبتنا فى اجتماعهم مجرد نداء نأمل أن يصل إلى آذانهم، بل إنه يتحتم علينا أن نمضى إلى ما هو أبعد من ذلك، ونتأكد من أننا لم نجتمع هنا لمجرد توجيه النداء، وإنما اجتمعنا لندفع احتمالات السلام عملياً إلى جو أكثر اطمئناناً وثقة.

ثانياً: إنه من المحتم الآن أن تبذل كل الجهود لتمكين الأمم المتحدة من أداء رسالتها، وبعد كل التغييرات التى طرأت على العالم - منذ إنشاء هذه المنظمة الدولية فى سنة ١٩٤٥ - فإنه لابد لهذه المنظمة أن تلائم ما بين طبيعتها وما بين طبيعة العالم المتحركة.

وفى هذا الصدد لابد أن يمتد التغيير البناء إلى الجهاز الإدارى للأمم المتحدة ذاتها باعتباره أداة تنفيذ إرادتها، كذلك لابد أن يمتد التغيير إلى توزيع القوة فى مراكزها المختلفة، ولست أتصور أن تبقى مناطق فى العالم دون تمثيل فى مجلس الأمن، كما لا أتصور أن يبقى بلد كالصين الشعبية بعيداً عن نطاق الأمم المتحدة فى حين أن ربع سكان الأرض يعيشون داخل حدوده.

ولابد للأمم المتحدة بعد ذلك من أن تمارس دورها الذى كانت تحلم به الشعوب التى أقامتها، وأن تكون مجالاً للعمل من أجل السلام ومن أجل التقدم. وإنه لمن المؤسف أن نرى هذه المنظمة الدولية التى كانت تمثل أملاً عريضاً للبشرية تتحول أحياناً إلى ميدان للصراع بين الكتل، أو تجرى المحاولة لاستعمالها كأداة فى يد الاستعمار، ثم يصل الأمر بها إلى حد أن قراراتها لا تصبح لها - فى بعض الظروف - من فرص الحياة إلا بقدر ما توفره لها سياسة القوى الكبرى، وليس أدل على ذلك من أن قرارات الأمم المتحدة بشأن حقوق شعب فلسطين مازالت بعد سنوات طويلة من الزمان حبراً على ورق؛ لأن سياسة بعض القوى الكبرى فى منطقتنا أرادت أن تسند إسرائيل تحدياً لكل قانون ولكل عدل. بل إن المأساة تبدو فى أبعادها الحقيقية إذا ما ذكرنا الواقع التاريخى لما حدث سنة ٤٨، وهو أن الأمم المتحدة والهدنة التى فرضتها فى فلسطين كانت بالذات الستار الذى تسلل العدوان تحته وفى حماه إلى تحقيق أغراضه، وإلى احتلال الأرض التى اغتصبها من أصحابها الشرعيين.

ثالثاً: إنه من المحتم الآن إتاحة أكبر فرصة للتقدم أمام الشعوب التى لم تستكمل نموها الاقتصادى والاجتماعى، وينبغى لنا أن نذكر أنه لا يمكن أن يكون هناك استقرار فى عالم تتفاوت فيه مستويات الحياة بين الشعوب على هذا النحو الفاضح الذى نراه الآن.

إن العالم الذى نعيش فيه عالم واحد، مصيره فى السلام أو الحرب مصير واحد ولقد شاركنا جميعاً فى صنع حضارات الإنسان، وانتقلت عواصم النور من قارة إلى قارة على مدى التاريخ. ومن هنا فإن لكل منا نصيباً فيما انتهت إليه الحضارة الإنسانية كلها من التقدم؛ كذلك ساهمنا جميعاً فى صنع الرخاء لدى الذين تتاح لهم فرصته اليوم ، ومع أنى لا أريد أن أثير أحقاداً قديمة فإن التقدم الصناعى - على سبيل المثال - فى عدد كبير من بلدان أوروبا كان قائماً على الثروات التى جرى نزحها بطريقه منظمة من آسيا وإفريقيا.

وما من جدال أن احتمالات الأمل فى التقدم سوف تزداد إذا ما توقف الاندفاع نحو التسلح؛ خصوصاً فى المجال الذرى منه، وإذا اتجهت الطاقات الهائلة فى هذا المجال إلى خدمة مشاكل التطوير، كذلك ما من جدال أن احتمالات هذا الأمل سوف تزاد إذا ما تحقق أن الجهود الرائعة فى أجواء الفضاء الآن سوف تكرس لخدمة السلام لتساعد بكل إمكانياتها على توفير الرخاء، ولابد فى هذا السبيل من تنظيم عملية المساعدة على التطوير بعيداً عن اعتبارات الحرب الباردة، وبعيداً عن نوازع الاستعمار الجديد، ولعلنا هنا نستطيع أن نجد الوسائل الكفيلة بدعم هذه العملية التى نراها أمراً حيوياً.

رابعاً: إنه من المحتم الآن - وقد تصدت الدول غير المنحازة لمسئولية العمل من أجل السلام - أن تواصل هذه الدول ما بدأته، وأن تضع من الجهود المنسقة وراء أهدافها ما يكفل تحقيق هذه الأهداف؛ وذلك عن طريق التعاون المستمر والتشاور المتصل، وتنسيق الجهود داخل الأمم المتحدة وخارجها، فليس يكفى أن نبدأ وإنما المهم أن نستمر حتى نصل إلى هدفنا الذى هو فى نفس الوقت هدف الإنسان طوال التاريخ وعلى امتداد الأرض.

وعلينا أن نبقى حركتنا من أجل السلام طليقة قادرة، وعلينا أن نبقيها على أوسع الجبهات، وفيما عدا الاتصال المستمر بيننا فإن علينا أن نشجع دائماً، وأن نمنح تأييدنا القلبى لكل المحاولات الجماعية البناءة، الرامية إلى تدعيم السلام عن طريق حماية الحرية ودفع التطور.

كذلك علينا أن نكون دائماً على اتصال بالمعسكرين المتصارعين ؛ فإن عدم الانحياز ليس معناه أن نعتزل المشاكل، وإنما عدم الانحياز أن نساهم إيجابياً فى دعم التفاهم، وأن نقيم جسوراً مفتوحة لمرور الأفكار والآراء عبر الأخاديد السحيقة التى تصنعها الأزمات.

خامساً: إنه من المحتم علينا أن تكون جهودنا مباشرة ومركزة فيما يتعلق بكل الأهداف التى نستطيع فيها بقوانا الذاتية أن نتحرك، وفى هذا المجال فإنى أعنى بالذات تصفية الاستعمار؛ باعتباره أصلاً من أصول الشر، وسبباً من أسباب التوتر والقلق المخيف فى عصرنا. وإننا نستطيع بتوحيد جهودنا وتنظيمها أن نوجه إلى هذا الخطر ضربات ساحقة تساعد الشعوب التى مازالت تعانى من قبضته، عليها أن تخلص نفسها وأن تخلص الإنسانية كلها منه ومن آثاره.

وفى هذا الصدد فإنه يخيل إلى أننا نستطيع أن نقوم بما هو أكثر من المجهود الأدبى؛ وكذلك الحال فيما يتعلق بالتفرقة العنصرية التى نملك أن نواجهها بما هو أكثر من الاحتجاج.

سادساً: إنه من المحتم علينا فى حركتنا نحو أهدافنا أن نحرك معنا كل القوى المستعدة للخير فى العالم، ولنذكر دائماً أن الهدف الذى نسعى إليه يجمعنا مع كل ذوى النوايا الطيبة فى العالم على سعته. ولو تمكنا من أن نثير الإيجابية الفعالة فى هؤلاء جميعاً لاستطعنا - ونحن نجتمع من أجل السلام - أن نحشد فى نفس الوقت من قوى الضمير العالمى الحر فى كل ناحية ما يقدر على دعم حركتنا وفتح الطريق أمامها.

وإننا لنستطيع أن نوجد هنا من الوسائل والأساليب ما يحقق ذلك عملياً ويوفره.

سيادة الرئيس:

لقد حاولت جهدى أن أبتعد عن أية اقتراحات محددة للمشاكل الكبرى التى تهدد أمن العالم اليوم، وفى مقدمتها المشكلة الألمانية وعقدها المادية والنفسية، والمشاكل السياسية والعسكرية والاجتماعية؛ فليس فى مثل هذا الخطاب مجالها، وإنما يجىء دورها فيما يلى ذلك من أعمال هذا المؤتمر.

إن الذى حاولته هو أن أفتح قلبى أمامكم ونحن على أبواب خطوة هامة فى مجال العمل الدولى، وكل الذى أتمناه أن ينتهى اجتماعنا هنا وشعوبنا تشعر - وتشاركها فى هذا الشعور غيرها من الشعوب - أن خطوتنا هنا كانت خطوة فى الطريق الصحيح؛ خطوة صادقة، أمينة، نزيهة، متجردة، تطلب السلام، مؤمنة أن العدل لابد أن يكون له أساساً وسنداً.

 

التعليقات على خبر: خطاب الرئيس جمال عبد الناصر فى مؤتمر أقطاب الدول غير المنحازة من بلجراد بيوغوسلافيا

حمل التطبيق الأن