تسويق لفكرة مقايضة الفلسطينيين وابتزازهم مع الشعب الأردني

مؤتمر المنامة الاقتصادي تسويق لفكرة مقايضة الفلسطينيين وابتزازهم مع الشعب الأردني بمعادلة “الاقتصاد  مقابل الوطن”.

افاق قبل 1 شهر

مؤتمر المنامة الاقتصادي تسويق لفكرة مقايضة الفلسطينيين وابتزازهم مع الشعب الأردني بمعادلة “الاقتصاد  مقابل الوطن”.

المحامي علي ابوحبله

يبقى السؤال الأهم بشأن ما يجري في المنطقة، حيث يبدو أن أميركا غير مطمئنة تماماً لردود الفعل العربية، والإقليمية، تجاه صفقتها المشئومة. ولذلك تسعى جاهدةً إلى تحييد كل الأطراف العربية والإقليمية. ولعل ذلك يفسر ما يجري في السودان والجزائر، وكلاهما كانا بعيدين عن حالة الاضطراب والقلق العربي، فأصبحا مشغولين بقضاياهما الوجودية. أما عن الطرف الأكثر خطورة على المشروع الأميركي، وهو إيران، فكان لا بد من إدخالها فى دوامة العقوبات، والتهديدات، ومخاطر الحرب، وجرّها إلى حافة الهاوية من دون الدخول في حربٍ حقيقية، وهي لعبة تجيدها أميركا جيداً، حتى تفقد إيران القدرة على دعم القوى العربية التي يمكنها التصدّي المباشر للمشروع الأميركي، وهي المقاومة الفلسطينية.

هذا ما جرى ويجري في المنطقة، ليس هو حالة مخاض صعبة، ستسفر عن عالم عربي أكثر حرية، وديمقراطية، ولكنه مجرد مخاضٍ كاذب، سيسفر عن مسخ مشوه، هو المشروع الإستراتيجي الصهيو-أميركي الذي يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، وضياع الهوية العربية، تحت ستار “مشروع سلام الشرق الأوسط” أو “صفقة القرن”.

الأردن وفلسطين يشكلان عقبه كأداء في وجه صفقة القرن حيث تطغى التحديات الخارجية والإقليمية على ما عداها. إذ تتزايد الضغوط الخارجية، والتطورات الخطيرة على الدولة الأردنية باضطراد كما هو الحال مع الفلسطينيين ، وتزداد وتيرة الضغوط تزامنا مع اقتراب موعد الإعلان الأمريكي عن مبادرة لتسوية القضية الفلسطينية والتي تعرف باسم صفقة القرن التي بات واضحا أنها أقرب إلى التصفية منها إلى التسوية. وهي بالتأكيد ليست قدرا ويمكن إسقاطها ولا أدل على ذلك عمليا من الإعلان عن الجزء الاقتصادي من تلك الصفقة بالموعد الذي تم إعلانه عن مؤتمر البحرين لمساعدة الفلسطينيين اقتصاديا، وقبل الحديث عن مستقبلهم ومصيرهم السياسي..! وكأنهم يطلبون من الفلسطينيين مبادلة الوطن بالاقتصاد . كما أن حجم المخاطر المتنوعة، الواقعة على الأردن،باتت تتطلب وضع الأولويات الوطنية .

صفقة القرن هي ابعد من مشروع  اقتصادي يهيّأ للمنطقة. وهي أكثر من مجرّد تحقيق سلام عربي إسرائيلي شامل ،هي إعادة ترتيب المجتمعات العربية ومعها دول المنطقة عبر هندسة الوعي الجمْعي وصوغ جديد لهوية، منزوع منها الرغبة باستعادة الحقّ أو مقاومة المحتل والمغتصب دوماً للتاريخ والوجدان العربي والإسلامي تجاه قضية، تُعتبر من أكثر القضايا الإنسانية إشكالاً على المستوى الدولي في الوضع الراهن اليوم.

صفقة القرن تقوم على أساس واحد فقط وهو الربح الاقتصادي الذي لا يُقيم وزناً، لا للجغرافيا والتاريخ، ولا للعروبة والإسلام وإنما الولاء دائماً هو للربح المادي. وباختصار شديد تعتبر "الصفقة" إنهاء لكل المسلمات العربية والإسلامية التي برزت منذ عام 1948 وإلى اليوم والتي تؤكّد على حق العرب تاريخياً في أرض فلسطين وتقاوم الاعتراف بأيّ وجود لدولة إسرائيلية في قلب العالم العربي.

في ظل صفقة العصر هذه، لا يمكن الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة، لا بحدود 67 ولا بحدود 2019، بل عن مجرّد سلام اقتصادي عربي إسرائيلي لا يُقيم وزناَ للمصلحة العربية بقدر ما يجمع حلفاء واشنطن من دول عربية إلى جانب إسرائيل وتوحّدهم أمام عدوين:

العدو الأول هو الشعوب الثائرة على الاستبداد والمناضلة من أجل ديمقراطيات حقيقية وسيادات وطنية مستقلة عن أية وصاية أميركية أو غربية.

والعدو الثاني هو إيران التي باتت رأس حربه وبوصله لتحريف لأولوية الصراع مع إسرائيل وتخويف دول المنطقة من هذا البعبع الإيراني  ودفعه جبرا للتحالف مع إسرائيل بادعاء أنها تهدد دول المنطقة وخاصة دول الخليج العربي وما مسرحية ما يجري بين أمريكا وإيران سوى تمثيلية ومسرحيه امريكيه لإنجاح قمة المنامة

للمراهنين على نجاح المخطط الأمريكي أن يدركوا أن أمريكا لن تنج في تمرير صفقة القرن ففي العاشر من الشهر الجاري، نشر روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن، مقالاً على موقع المعهد، تعليقاً على مقابلة أجراها مؤخراً مع مستشار البيت الأبيض لعملية السلام في الشرق الأوسط جاريد كوشنر، المقالة بعنوان: «خطة جاريد كوشنر قد تكون كارثية» خلص ساتلوف من هذه المقابلة إلى أن جوهر الخطة يهدف إلى توفير الأمن للإسرائيليين وتحسين نوعية الحياة للفلسطينيين» ويعلق ساتلوف: كان من الصعب جداً استخلاص تعاطف كوشنر مع التطلعات السياسية الفلسطينية، في حين أن الخطة ستتركز على جعل «المنطقة» الفلسطينية مصدر جذب للاستثمار كوسيلة لتحسين حياة الفلسطينيين، هناك العديد من النقاط الهامة في هذه المقابلة، لذلك سنتناول ما له علاقة مباشرة بورشة المنامة حول الحل الاقتصادي، دون أن نشير إلى أن كوشنر مضى إلى الإقرار بأن الفشل هو الخيار الأكثر احتمالاً وأن الرهان على المال أسهل» هذا بالحرف ما قاله ساتلوف نقلاً عن كوشنر، وللاطلاع الضروري على هذه المقابلة الهامة، يرجى فتح موقع «معهد واشنطن» للاطلاع على مزيد من النقاط الهامة في هذه المقابلة.

والخلاصه من هذه المقابلة في سياق المؤتمر الاقتصادي في البحرين، ذلك أننا نقدر أن هناك إحساساً أميركياً بعدم نجاح ما تبقّى من خطة ترامب بعد إزاحة أهم ملفات الحل النهائي من الطريق: القدس وحق العودة واللاجئين، لكن إدارة ترامب كانت قد وعدت بطرح هذه الخطة بتفاصيلها بعد شهر رمضان وبعد تشكيل حكومة نتنياهو الخامسة، إلاّ أن هذه الخطة لن يُكتب لها النجاح، لذلك لن يتم طرحها، وللتغطية على هذا الفشل، فإن القول يطرح الملف الاقتصادي كجزء من الخطة في مراحلها الأولى، كفيل بالتغطية على هذا الفشل في طرح الخطة في الموعد الذي تم تحديده مسبقاً بعد تأجيل عدة مرات!

سبب فشل هذه الخطة في مراحلها اللاحقة يعود بشكل جوهري إلى الرفض الفلسطيني القاطع لها، الأمر الذي لم يوفر لأي نظام عربي رسمي، التعامل المعلن معها ولم تنجح الضغوط المعلنة وغير المباشرة على القيادة الفلسطينية لتغيير موقفها من هذه الخطة، إضافة إلى أن إسرائيل حصلت على معظم ما تريد من هذه الخطة منذ الإعلان الأميركي حول القدس عاصمة لها ونقل السفارة الأميركية إليها، وإغلاق ملف اللاجئين وحق العودة وتشجيع أميركي لضم الضفة الغربية وأجزاء هامة منها إليها. إسرائيل حصلت على هذه الملفات الرئيسية مجاناً ومن دون أن تقدم أي ثمن، فلم المغامرة في هذه الحال على ما تبقّى من هذه الخطة؟!

استمرار المبعوث الرئاسي الأميركي غرينبلات بمهاجمة القيادة الفلسطينية إنما هي إحدى الدلائل على فقدان إدارة ترامب الصبر على تحدي القيادة الفلسطينية لهذه الخطة، محاولة بائسة منها لتحميل الجانب الفلسطيني فشل هذه الخطة، وهي محقة في ذلك بالنظر إلى أن هذه الخطة إنما تستهدف تصفية القضية الفلسطينية نهائياً.

إضافةً إلى مخاطر «ورشة السلام من أجل الازدهار» في المنامة، في التركيز على الأبعاد الاقتصادية كبديل عن جوهر الصراع السياسي بامتياز، فإن مشاركة إسرائيل في هذه الورشة، يضفي على الدولة العبرية وكأنها تبحث عن «السلام» مثلها مثل النظام العربي، وهي «شريكة» معه وبه في هذا التطلع، هي إحدى دول «المنطقة العربية» وفي إطار هذا النظام من ناحية البحث عن حلول، والحل الاقتصادي يشكل النموذج الأفضل بوصفه الحل «الأسهل» كما يقول كوشنر في المقابلة مع ساتلوف، وربما محاولة استنساخ هذا الحل عبر «بروفة» تجري في قطاع غزة في سياق الأمن مقابل الغذاء، ما يشجع أطرافاً عديدة على انتهاج هذا الحل بديلاً للحل السياسي!

لهذا لا يسع العرب مهما قدّموا من أموال وبذلوا من عروض استثمارية في الأراضي الفلسطينية، أن يشتروا ذِمَم الفلسطينيين في التخلّي عمّا تبقّى لهم من حقوق  حيث لا يوجد للفلسطيني ما يخسره والأفضل الثبات والصمود في وجه الضغوط  لإفشال كل المخططات الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية ، ورغم كل ذلك من مواقف ، يبقى الأمل في الشعوب العربية التي حتماً لن تموت.. وفي المقاومة التي حتماً لن تستسلم، مهما كانت التضحيات، ومهما طال زمن القهر.

التعليقات على خبر: مؤتمر المنامة الاقتصادي تسويق لفكرة مقايضة الفلسطينيين وابتزازهم مع الشعب الأردني بمعادلة “الاقتصاد  مقابل الوطن”.

حمل التطبيق الأن