هل تحصل إيران على سلاحها النووي بفضل أمريكا؟

كلمة السر «هاليبرتون».. هل تحصل إيران على سلاحها النووي بفضل أمريكا؟

اخرى قبل 3 شهر

كلمة السر «هاليبرتون».. هل تحصل إيران على سلاحها النووي بفضل أمريكا؟

 

أحمد نور الدين

 

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2005 أصدر مجلس الأمن القومي الأمريكي تقريرًا قال: إن «إيران تبعد عقدًا عن امتلاك قنبلة نووية، بالطبع كانت إيران – ولا زالت – تنفي ذلك بشكل قاطع وتؤكد أنها لا تسعى لاستخدام الطاقة النووية إلا للأغراض السلمية، لكن إذا صدقت تقديرات مجلس الأمن القومي فهذا يعني أن القنبلة النووية قد صارت بحوزة إيران بالفعل، وفي أسوأ التقديرات ستكون إيران الآن أقرب إلى امتلاك القنبلة النووية من أي وقت مضى».

الخلاف حول الملف النووي هو محور الصراع الأمريكي الإيراني، الصراع الذي بلغ ذروته بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض. الولايات المتحدة تفرض العقوبات، وتحشد الحلفاء، وتعاقب من يكسر الحظر الذي فرضته على إيران، تنشر قواتها في منطقة الخليج، ويتبادل رئيسها مع القادة الإيرانيين تصريحات نارية، تهديدات بحرب ومناوشات عسكرية محدودة بلغت إسقاط إيران لطائرة تجسس أمريكية.

ينكر كلا الطرفين رغبته في إشعال الحرب، لكن الطرف الأمريكي يعلّق السلام على شرط أن تتخلى إيران عن برنامجها النووي، بينما يؤكد القادة الإيرانيون على قدرة بلادهم واستعدادها لرد رادع بضرب المصالح الأمريكية في الخليج، وتعطيل حركة النفط عالميًا من خلال مضيق هرمز.

بقدر ما تبدو إيران قريبة من امتلاك قنبلة نووية، بقدر ما تبدو قريبة كذلك من الدخول في حرب مع الولايات المتحدة، وقد عرض البنتاجون على البيت الأبيض قبل أقل من شهرين خططًا عسكرية تشمل إرسال 120 ألف جندي أمريكي إلى الشرق الأوسط، إلا أنه في غمار الضجيج المرتفع لطبول الحرب، قد يغيب عن الأذهان تساؤل منطقي حول جدية المحاولات الأمريكية لتفادي الوصول إلى تلك النقطة، أو بالأحرى جدية محاولاتها لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي قد يشعل حربًا «لا تريدها الولايات المتحدة» بحسب تأكيدات مسؤوليها.

وهو السؤال الذي تكشف إجابته عن مفاجأة ربما تحمل صدمة للكثيرين؛ إذ تكشف تقارير أمريكية تعود إلى العقد الماضي أن الولايات المتحدة صاحبة فضل على البرنامج النووي الإيراني قد لا يكون باستطاعة الجمهورية الإسلامية تطوير سلاح نووي لولاه.

النشاط الأمريكي في خدمة برنامج إيران النووي

في عام 2003 قررت صناديق المعاشات بولاية نيويورك الأمريكية سحب استثماراتها البالغة مليار دولار أمريكي من ثلاث شركات أمريكية، قال عنها مراقب حسابات الولاية، ويليام طومسون: «إنها تخالف روح القانون الأمريكي حتى لو لم تخالف نصه، بممارستها أعمالًا من الباطن بإيران تساعد في دعم الإرهاب».

اتهامات لم تكن جديدة على إحدى الشركات الثلاث، وهي شركة «هاليبرتون»، إحدى أكبر شركات الخدمات العسكرية والطاقة الأمريكية، التي أُدينت في قضية مماثلة بالنصف الأول من تسعينات القرن الماضي؛ فقد دفعت 3.8 مليون دولار غرامات لبيعها معدات خاصة بحقول النفط إلى نظام العقيد معمر القذافي بعدما اتهمته الولايات المتحدة بدعم الإرهاب، وقال مسؤولون فيدراليون: إن بعض المعدات التي أرسلتها «هاليبرتون» إلى ليبيا بين أواخر عام 1987 وأوائل 1990 كان يمكن استخدامها في تطوير أسلحة نووية.

في يناير (كانون الثاني) من عام 2005 أعلنت إيران للمرة الأولى من جهتها – في إطار تحقيقات تتعلق بالفساد – عن تعاقد شركة «أورينتال كيش»، وهي من أهم شركات النفط الإيرانية، مع شركة «هاليبرتون»، لتطوير قسم من حقل غاز جنوب بارس في الخليج العربي، وبناء منصات للحفر.

على إثر ذلك الإعلان أوضحت الشركة الأمريكية أن هذا المشروع هو الأخير لها في إيران، إلا أن نشاط «هاليبرتون» في إيران لم يقتصر على التنقيب عن الغاز، وفقًا لما كشفته مصادر مطلعة بالشركة الأمريكية من أنها باعت مكونات أساسية للمفاعلات النووية للشركة الإيرانية، تشمل أجهزة طرد مركزي ووحدات تفجير؛ ما أدى إلى تطوير التكنولوجيا النووية الإيرانية وقدرتها على تخصيب اليورانيوم.

كانت «هاليبرتون» قد بدأت نشاطها في إيران عام 1995، وفي العام نفسه أصدر الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قرارًا بحظر تقديم الشركات الأمريكية خدمات تفيد صناعة النفط الإيرانية، وحظر أي استثمارات تجارية لشركات أو أشخاص أمريكيين في إيران، ورغم أنه لم يكن قد مر وقت على الغرامات التي دفعتها الشركة بسبب صفقاتها مع ليبيا، إلا أن قيمة الغرامات – في حالة ليبيا – لم تساو 10% من قيمة عائدات أعمال الشركة خلال سنة واحدة في إيران، لكن يظل السؤال المطروح هنا: كيف تحايلت «هاليبرتون» لأكثر من عقد على قوانين حظر التعامل مع إيران، رغم خضوع نشاطها بها للتحقيق أكثر من ثلاث سنوات؟

«هاليبرتون».. الباب الخلفي للجمهورية الإسلامية

عملت «هاليبرتون» للخدمات النفطية في إيران تحت ستار شركة «هاليبرتون للمنتجات والخدمات» التابعة لها والمسجلة في جزر كايمان، وهي شركة غير أمريكية تتخذ من دبي مقرًا لها، ويشير تحقيق نشرته «وول ستريت جورنال» عام 2001 إلى أن «هاليبرتون» تدير أعمالها في الجمهورية الإسلامية خلف باب لا يحمل أية علامة لمكتب يقع في الطابق التاسع لبرج بشمال إيران.

وبالرغم من أن كتيب الشركة يشير إلى أنها ليست أمريكية، إلا أنه – مثل اللافتة الموضوعة في مكتب الاستقبال – يحمل «لوجو» وشعار الشركة الأمريكية، كما يقدم خدمات «هاليبرتون» في جميع أنحاء العالم، وبالإضافة إلى ذلك فإن البريد المرسل إلى مكاتب الشركة في طهران وجزر كايمان يحوّل مباشرة إلى مقرها الرئيس في ولاية تكساس بالولايات المتحدة.

من جانبها كانت المتحدثة باسم «هاليبرتون» قد أكدت أن الشركة لا تنتهك القوانين الأمريكية؛ إذ إن مكتب طهران يتبع «هاليبرتون للمنتجات والخدمات» التي لا يعمل بها أي شخص أمريكي، لكن تحقيقًا آخر نشرته قناة «إن بي سي» الأمريكية عام 2005 نقل عن مصادر فيدرالية مطلعة على التحقيقات بشأن نشاط «هاليبرتون» في إيران أن الشركة قررت بعد حظر الرئيس بيل كلينتون للتجارة مع إيران أن تواصل أعمالها في الدولة التي يصفها السياسون الأمريكيون عادة بـ«المارقة» من خلال خمس شركات على الأقل مسجلة في جزر كايمان.

ورغم أن قرار كلينتون كان يتيح للشركات الفرعية العمل في إيران بشرط استقلالها الكامل عن الشركة الأمريكية الأم، إلا أنه عندما اتصل أحد منتجي «إن بي سي» بالشركة في إيران تم إحالته إلى مسؤولي الشركة في دبي، الذين أخبروه بدورهم أن مقر الشركة في تكساس هو الوحيد الذي يمكنه التحدث عن العمليات في إيران!

قد يطرأ تساؤل هنا عن سبب إحالة الاتصال إلى مقر الشركة الأم بالولايات المتحدة، بدلًا عن مقر الشركة التابع لها في جزر كايمان، والإجابة يحملها تحقيق لبرنامج «60 دقيقة» الأمريكي، الذي زارات مراسلته عنوان الشركة في جزر كايمان، المصنفة إحدى أسوأ الملاذات الضريبية في العالم، لتكتشف أنه عنوان وهمي لا يضم مكتبًا أو موظفين.

إلى جانب ذلك فقد اتخذت «هاليبرتون» في مارس (آذار) عام 2007 ما يبدو خطوة احترازية أخرى؛ فقد نقلت المقر الرئيس للشركة الأم إلى دبي بجانب الشركة الفرعية، وهو ما يرى مراقبون أنه قد يكون مفيدًا للشركة إذا تمت إدانتها؛ لأن الولايات المتحدة ليس لديها معاهدة تسليم مجرمين مع دولة الإمارات.

ديك تشيني.. تاجر الحرب والسلام!

كان ديك تشيني هو الرئيس التنفيذي لشركة «هاليبرتون» حينما بدأت ممارسة نشاطها في إيران عام 1995، قبل ذلك كان تشيني وزيرًا للدفاع في إدارة جورج بوش الأب، ثم ترك منصبه بالشركة سنة 2000 لينضم إلى جورج بوش الابن في انتخابات الرئاسة، ويدخل معه البيت الأبيض نائبًا له عام 2001، وقد تبدل موقف تشيني من البرنامج النووي الإيراني بحسب موقعه من صناعة القرار الأمريكي.

فالرجل الذي دعا بوش عام 2007 إلى التحرك عسكريًا ضد إيران هو ذاته الذي هاجم العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران أثناء رئاسته لشركة «هاليبرتون» عام 1996، قائلًا: «إن أمريكا مخطئة بشأن إيران، وأنها تظن دائما أنها تعرف الأفضل للآخرين، وتستخدم نفوذها الاقتصادي لإجبارهم على العيش كما تريد»، وعاد ليؤكد مرة أخرى عام 1998 أن أمريكا ستصبح أفضل لو تراجعت عن إلزام الشركات بمقاطعة إيران.

قد يكون من المبالغة توجيه أصابع الاتهام إلى النظام الأمريكي بشكل عام فيما يتعلق بدعم التكنولوجيا النووية الإيرانية، لكن يمكننا على الأقل الاحتفاظ بأصبع اتهام موجه إلى السياسي المخضرم الذي ألهمت قصته فيلمًا فاز بجائزة الأوسكار هذا العام، ديك تشيني. فقد دار الرجل دورة في دوائر صنع القرار الأمريكي مكّنته من وضع مناصبه السياسية في خدمة «البيزنس» الخاص به أولًا وقبل كل شيء.

عندما تولى تشيني وزارة الدفاع أسدى خدمة جليلة للشركات الخاصة مثل «هاليبرتون»، فعمل على أن تتولى تلك الشركات الدعم اللوجستي للعمليات العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء العالم، وحينما غادر البنتاجون كان بانتظاره مقعد الرئيس التنفيذي لـ«هاليبرتون»، قبل أن يغادرها مرة أخرى إلى مقعد نائب الرئيس، وأثناء توليه المنصب في إدارة بوش التي غزت العراق، حصلت الشركة ذاتها على نصيب الأسد من عقود إعادة إعمار العراق، وتضاعفت نسبة أسهم تشيني فيها أكثر من 30 ضعفًا، مثيرًا حوله عاصفة من التساؤلات.

قبل حرب العراق كانت «هاليبرتون» في المرتبة 19 بقائمة الجيش الأمريكي لكبار المتعاقدين، لكنها قفزت إلى المركز الأول بعد الحرب عام 2003، وحصلت على أكثر من 10 مليار دولار من إدارة بوش نظير أعمالها في إعادة إعمار العراق، وحينما ارتفعت علامات الاستفهام في مواجهة تشيني أكد الرجل أن علاقته بالشركة قد انتهت تمامًا منذ ترك رئاستها قبل أكثر من ثلاث سنوات ولم تعد له أية مصالح مادية بها. لكن السيناتور فرانك لاوتنبرغ كشف من خلال إقرارات الذمة المالية لنائب الرئيس أن رزم الأسهم التي يمتلكها في «هاليبرتون» قد ارتفعت قيمتها من 241 ألف دولار عام 2004 إلى 8 مليون دولار عام 2005.

حاول نائب الرئيس التصدي للنقد بإعلانه منح أرباحه من الشركة للجمعيات الخيرية التي يختارها هو، وقال محاميه: إنه سيدفع أيضًا ضرائبه كاملة، ولن يحصل على خصم من الضرائب مقابل تبرعاته، ومع ذلك فقد انتهىتقرير لخدمة أبحاث الكونجرس إلى أن حيازة الشخص لرزم الأسهم وهو يتولى منصبًا منتخبًا يشكل مصلحة مالية، بغض النظر عما إذا كان حائز تلك الأسهم سيتبرع بالعوائد إلى جمعيات خيرية أم لا، وهو ما استند إليهالسيناتور جون كيري في انتقاده لإدارة جورج بوش قبيل الانتخابات الرئاسية التي نافسه فيها عام 2004.

تبنّت السيناتور سوزان كولينز تشريعًا وافق عليه الكونجرس يوم 26 يوليو (تموز) 2005 كان من شأنه أن يسد الثغرة التي استغلتها «هاليبرتون» وشركات أخرى في التعاون مع إيران، إذ فرض التشريع عقوبات على الشركات التي تلتف على القانون الأمريكي، وتتجنب عقوباته من خلال إنشاء شركات فرعية بالخارج لممارسة أعمالها في «الدول المارقة والداعمة للإرهاب» كما وصفتها كولينز.

وجاء رد الشركات من خلال خطاب وجهته إلى الكونجرس، واعترضت فيه بشدة على التعديل قائلة: إنه سيؤدي إلى مزيد من الكراهية، وربما يحرض على شن هجمات إرهابية على الولايات المتحدة، فضلًا عن توتر العلاقات مع الشركاء التجاريين الأساسيين للولايات المتحدة، إذ إن بعض الدول قد تعتبر ذلك القانون انتهاكًا لسيادتها.

في عام 2007 أعلنت شركة «هاليبرتون» أخيرًا عن انتهاء أعمالها في إيران، وبينما تبدو الإجابة عن سؤال «هل حاولت أمريكا بما يكفي لمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية؟» أقرب للنفي؛ حاول مراقبون تفسير السبب الذي دفع «هاليبرتون» وسياسيًا مثل ديك تشيني إلى الاستثمار في أعمال قد تضر بالأمن القومي الأمريكي.

معتبرين أنه إذا امتدت الحرب في الشرق الأوسط إلى إيران فإن «هاليبرتون» ستجني مليارات الدولارات من خلال جهود إعادة الإعمار هناك؛ لأن لديها بالفعل وجود في البلاد، فضلًا عن خبرتها في إعادة إعمار البلدان التي مزقتها الحرب، فهل كان السيد تشيني يطمح من خلال دفع بوش إلى اتخاذ خيار عسكري ضد إيران – بعدما دعمت شركته برنامجها النووي – إلى حرب يقطف من بعدها ثمار عقود إعادة الإعمار مجددًا؟

 

التعليقات على خبر: كلمة السر «هاليبرتون».. هل تحصل إيران على سلاحها النووي بفضل أمريكا؟

حمل التطبيق الأن