في “دفاتر الملح”: ذاكرة الضحيّة ومخيال الجلاد

الروائية العراقية هيفاء زنكنة في “دفاتر الملح”: ذاكرة الضحيّة ومخيال الجلاد

ثقافة وفنون قبل 1 شهر

الروائية العراقية هيفاء زنكنة في “دفاتر الملح”: ذاكرة الضحيّة ومخيال الجلاد

صدر عن دار “كلمة” للنشر والتوزيع في تونس كتاب “دفاتر الملح” إعداد الروائية العراقية هيفاء زنكنة، وتقديم الباحث شكري المبخوت، متبوعًا بمقالة “أصوات الذاكرة” لسلوى القنطري، خبيرة الجندر والعدالة الانتقالية. يتألف الكتاب من ثلاثة أقسام رئيسة إضافة إلى المُلحق الذي يتضمن المساهمين في هذا الكتاب وتعريفات تفصيلية دقيقة بـ “المنشور 108” و “العقوبة الإدارية” وكلمة “القُفّة” التي تشظّت إلى معانٍ متعددة.

لم ينبثق هذا الكتاب من فراغ، وإنما انطلقت شرارته من ورشة الكتابة الإبداعية التي أشرفت عليها الكاتبة هيفاء زنكنة التي تؤمن إيمانًا عميقًا بأنّ المرأة السجينة يمكن أن تكتب عن تجربة السجن بنفسها “ولا تكتفي بتسجيل الشهادات أو تدوينها من قِبل آخرين نيابة عنها” لكن هذه المرأة أو السجينة التي لم تكن كاتبة أصلاً يمكن تحفيز ملَكتها الإبداعية الراكسة في الأعماق، وتحسين أسلوبها وتقنيتها الفنيّة التي تمكِّنها في خاتمة المطاف من تدوين تجربتها بسلاسة ويُسر.

يتضمّن القسم الأول الذي عنونته المُعِّدة “ها أنا أرى” تسعة نصوص سردية تترجح بين السيرة الذاتية، والشهادة، والقصة القصيرة، والنص المفتوح ولعلها تأخذ شذرات متفرقة من هذه الأجناس الأدبية التي تعبِّر عن المشاعر الحميمة وكتابة الذات في أصدق تجلياتها. وفي هذا القسم نساء من مختلف الأعمار والمناطق التونسية لم يعشنَ تجربة السجن لكنهنَ عانينَ منه، وكتبنَ عنه لأنَّ أحد أفراد العائلة قد أُعتقل أو سُجن لأسباب سياسية تتعلّق بحرية الرأي والدين والمُعتقَد.

تستهل خديجة بن صالح القسم الأول بالنص السيري “رحلة” الذي يتعالق مع فن الشهادة لتروي لنا حياتها بطريقة استرجاعية تبدأ من الطفولة، ومراحل الدراسة، ونهل العلم والمعرفة، والقراءات الخارجية التي وسّعت مداركها، لتمرّ بزواجها في مدينة تالة من رجل سوف يموت بعد خمس سنوات، ثم تنتقل إلى ولاية الكاف لتصبح مهندسة فلاحية، ثم يبدأ صدامها مع رجال الأمن بعد أن رفضت هي وثُلة من الطالبات نزع الحجاب والتوقيع على عدم ارتدائه مستقبلاً.

أما ميلان حامي فقد كتبت عن جدها الذي يحتضر قبل أن يموت بقليل وهو يطلب من شقيقه الخمسيني المُعارض ألاّ يحضر مأتمه: “لا تأتِ ودع صلاة الغائب الرابط بيننا”. وبما أنّ ميلان درست علم النفس فلاغرابة أن تركِّز على الجوانب النفسية وتصبح صورة الموت مرتبطة بمنبهات السيارات، ومقطوعة موسيقية لا تزال تسمعها بعد مرور 18 سنة.

تكتب نهى الديماسي سيرة “الطفلة التي لن تكبر”عن أبوين سياسيين انتميا إلى المعارضة وحينما يُخلى سبيل الأب تُختطَف الأم أمام عينيها فتركض وراء سيارة الشرطة لكن أحد العمال في شركة والدها يغلق فمها ويعيدها إلى المنزل خوفًا من الفضيحة لأنها متهمة بخيانة الوطن، فيعجز الأب عن ملء فراغ الأم، وحينما يُطلق سراحها تنفر منها البنت لكن الحواجز تسقط شيئًا فشيئًا، وتصبح الأم صديقتها المفضّلة.

وتتناول سلافة مبروك اعتقال شقيقها المتهم بأنه “إخوانجي” في قصة “هل كان بورقيبة إله تونس؟” ولكي تمنح القصة بُعدًا دراميًا متفاقمًا تجعله سلافة الابن القادم بعد أربع بنات، وتصفه بنوّارة العائلة، ولعله يقبع في السجن مدة طويلة لكنّ القاضي يتفهم صغر سنه فيحكم عليه بالسجن لمدة شهر واحد بعد أن أمضى أربعة أشهر في الاعتقال والتحقيق. وحينما يخرج من السجن ينال شهادة البكالوريا، ويحصل على جائزة بورقيبة للفلسفة لسنة 1982 بالمرتبة الثانية على الجمهورية. ما لم تعرفه الراوية عند التحقيق معه في مركز الأمن بمنطقة المهدية أنه “قد تمّ تعذيبه واقتلاع شعر لحيته شعرةً شعرة!”، وهذه نهاية فنية مدروسة بعناية فائقة.

تركِّز المُدوِّنة سوسن مقادلة في “رياح صديقة” على امرأة قرّرت أن ترتدي الحجاب بعد أن هبّت رياح التغيير وكأنّ العاصفة فعلت فعلها ونزعت من قلوبهم الخوف. فيما تتحدث شهلة المحجوبي في قصة “الواشي” عن زوجها السجين، والواشي الذي يُحصي عليها أنفاسها، ويساومها بين الوظيفة ونزع الحجاب فرفضت الأولى وأصرّت على لبس الحجاب.

تُعدّ قصة “قُفّة حسنة” لحسنة بنعبيد من أقوى القصص دراميًا فالراوية الجامعية تحمل هذه القفة من سجن إلى آخر طوال 27 عامًا لأن زوجها الذي أحبّته كان منتميًا للإسلاميين، ولكي تصل إلى السجن كان عليها أن تسافر 400 كم فهي تسكن في “القصرين” وزوجها يقبع في سجن “قرمبالية” بمدينة نابل. تتصاعد درامية الحدث حين تركب عربة يجرّها حصان كي تصل إلى السجن لكن الحصان يسقط، وتنقلب العربة، ويتبعثر ما في القفة على الأرض. لم تنكسر الراوية على الرغم من هذا الحادث المؤثر الذي يلامس المشاعر الإنسانية حيث تستجمع عزيمتها وتبحث عن قطعة قماش تنظف بها القفة استعدادًا للزيارة القادمة.

تُعالج جمعة محمد بنعلي في “مسار القلب” عملية الدهم التي تتعرض لها أسرة الراوية أمل محمد “العاطلة عن العمل بأمر من الوطن” وما تخلّفه من صدَمات وذكريات أليمة لم تمحُها الثورة أو الديمقراطية الخجولة الملتبسة. ربما تغيرت أشياء كثيرة خلال سنوات الاعتقال لكنه الحاج محمد ظل الثابت الوحيد في عالم يتغيّر كل لحظة. إنها قصة عن المضايقة السياسية، وجبر الضرر، والحب الذي ظل يتدفق بسلالة كبيرة حينما يخاطب هذا الحاج زوجته ويشبهها بالوصف البسيط والعميق في آنٍ معًا: “أنتِ يداي وساقاي يا فاطمة”.

تلتقط هنيدة جرادة في قصتها “لقاء” جانبًا من استذكارات تجربة السجن التي مرّت بها فهي قبل أن تتناول القفة كانت تتلقف منديلها الذي تشمّ رائحة الأهل فيه، فهو الآصرة التي تربطها بالعالم الخارجي فكل من يمرّ إلى المنزل كان يضع المنديل بين يديه ويضمّخه برائحته لتطمئن عليه.

قصص من داخل السجن

تختلف القصص التي كتبتها السجينات من داخل السجن عن القصص المكتوبة من خارجه. وإذا كانت البلدان العربية سجونًا كبيرة فإن مرارة الحبس لها وقع آخر، وهذا ما نلمسه في القصص الثماني الآتية وأولها “الفرحة المُغتصبة” التي كتبتها حميدة عجنقي عن تجربتها الشخصية، وسجنها المتكرر، وانتظارها الطويل للزواج من حبيبها حسيب، القادم من ربوع القيروان بعد أن طُرد من المعهد لمشاركته في “انتفاضة الخبز”. ولعل أظرف ما في هذه القصة هي الرسائل المتبادلة بين الراوية وحسيب، إذ تطلب “حدّة” الحارسة المكلّفة بقراءة الرسائل من حميدة أن تُخبر حبيبها بأن يكتب بحروف كبيرة كي لا تُتعب نظرها. وعلى الرغم من معارضة الأهل لهذه الخُطبة إلاّ أن الأب يوافق على مضض. وفي ليلة الزفاف يجثم عليها كابوس فظيع يجعلها تسترجع لحظات التعذيب المروّعة وكأنّ الجلاد يصرّ على إفساد ليلة أحلامها التي انتظرتها طويلاً.

تتمحور قصة “على ضفاف برج الرومي” لمليكة الميساوي على حدث بسيط، فالأم التي تنتظر مع ابنها على التلة المرتفعة التي يقع عليها السجن تشعر بالبرد فتصنع من “بُرنس” زوجها خيمة يحتميان بها لكن السجّان “لزهر” يندفع راكضًا لاستبيان الأمر الغريب الذي أرعبهم، ولما سردت له حكاية البرد صاروا يسمحون لأهالي السجناء بالدخول والانتظار للحظة بدء الزيارة.

تُسلّط نصاف الشريف في “أمي مُلهمتي” الضوء على قصة الراوية التي يُسجن زوجها لانتمائه إلى حزب غير مرخّص، ثم يُقبض عليها وهي حامل لتلد ابنها علاء الدين في السجن. ثم نفهم من خلال هذه القصة وسائل التعذيب النفسي والجسدي، فبعد خروج الزوج من السجن كان عليه أن يوّقع ثماني مرات أو أكثر في اليوم الواحد بحجة المراقبة الإدارية. أما الزوجة فقد جاؤوا بها، وجلبوا ابنها الأوسط شبه عارٍ تُحيط به كلاب شرسة جعلته يعترف بما لم تقترفه يداه. كانت الراوية ترى أمها ملهمتها الوحيدة التي تستعيدها كلما شعرت بالضعف أو واجهتها محنة كبيرة. فهذه الأم الحكيمة كانت “تؤمن بأن المصيبة ليس في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار”.

تُقدِّم لنا الأستاذة بوراوية عكاري قصة “ليلة أمنية” التي تروي فيها اعتقال زوجها ومداهمة ثلاثة من الأعوان الذين روعوا أطفالها فتعرضت للإجهاض جرّاء التعذيب والإهانات المتواصلة ثم أخلوا سبيلها، وسمحوا لها بالعودة إلى المنزل وحينما نفتش عن “الجريمة” التي اقترفها الزوج سنجد أنها “صلاة الجماعة”!

تعود هناء عبدولي إلى “انتفاضة الخبز” وتكتب قصة تحمل الاسم ذاته وتتوقف عند مقتل الشاعر اليساري الفاضل ساسي والمظاهرة التي كسرت حاجز الصمت والخشية من النظام. وبغض النظر عن وثائقية هذه القصة من عدمها فإن ساسي قد استشهد أمام مقهى باريس في قلب العاصمة التونسية كما يذهب الروائي التونسي شكري المبخوت.

تتكرر عمليات الدهم في “حكاية فتاة تحت منشور 108” لشفيقة بن حمودة حيث تتقنع الكاتبة بقناع الراوية التي شُغفت بقراءة كتب الإخوان المسلمين منذ سن السابعة عشرة، وقررت ارتداء الحجاب في قرية صغيرة فأعتبروها متحدية للنظام. وقد استشعرت في الوقت ذاته أنّ الشرطة من “فاقدي السند” سيدهمون منزلها لذلك طلبت من عمتها أن تخبئ كتبها الثمينة في الحقل، ولما وصلت زمرة الأبحاث والتفتيش لم تجد شيئًا ومع ذلك نزعوا حجابها وأمطروها بأسئلة جنسية خادشة للحياء. يتسع فضاء القصة في السجن ونتعرّف على سجينتين أخريين تتعرض الأولى للاغتصاب أمام زوجها كي يعترف بالتُهم المنسوبة إليه. أما الثانية فتواجه المصير ذاته ولكن باغتصابات متكررة.

أطفال خلف القضبان

تنطوي قصة “كم أعشق الماء الساخن!” لنجاة القابسي على موضوعات مغايرة من بينها تُهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخّص بها، ومواساة السجّان لها إثر خروجها من المحكمة، وحشرها في السيارة المتجهة إلى السجن المدني في سوسة، ووجود الطفل الرضيع “عادل” الذي يستحق الماء الساخن بغية تنظيفة كل يوم، وعدم قدرتها على التنقّل ضمن المنطقة الجغرافية التي تسكن فيها.

أما قصة “فلنحتفل” لعواطف المزغني التي تجري وقائعها في المحكمة التي تنظر في حيثيات القضية التي تتكون من توزيع المنشورات، ومناهضة الحُكم، والكتابة على الجدران، وجمع الأموال، إضافة إلى الانتماء لتنظيم غير مرّخص به. تأخذ القصة مديات أخرى حينما يبكي الأب وهو يرى الشرطة يحشرون ابنته في سيارة السجن، وفي زيارة العيد تتساءل إن كان بإمكانها أن تحتضن ابنها الصغير وتشمّهُ؟ وحينما تنتهي الزيارة يصرخ هذا الطفل الموجوع بجملته المؤثرة قائلاً:”ماما نحب نبقى معاكِ ماما”. تزداد الراوية تحديًا، وبدلاً من أن يكسروا إرادتها تقرّر أن تحتفل بالعيد مع بقية السجينات.

يتضمن القسم الثالث المعنون شهادة كتبتها منيرة بن قدور التومي التي تتميز عن بقية الكاتبات بانتمائها إلى ثقافتين مختلفتين، فهي من أب تونسي، وأم إيطالية، وتُتقن ثلاث لغات إلى جانب العربية. ويبدو أن عنوان الشهادة “على هامش الطريق” يتطابق مع حياتها “السياحية” فقد اكتشفت أنها تعيش خارج تونس وليس بداخلها لكن الثورة غيّرت علاقتها بالوطن وكل ما فيه. تكشف الشهادة عن الفظاعات التي تُرتكب بحق سجينات الرأي وما يتعرضن له من “ضرب وشتم وإذلال وتعرية وتعليق وتجليس على قارورة” وغيرها من الأساليب البشعة التي تقشعر لها الأبدان. وحين استمعت الساردة إلى “الجرائم” التي ارتكبنها وجدت أنها لم تزد أن تكون أكثر ارتداء الحجاب، أو تحفيظ القرآن، أو سرد قصة سيدنا يوسف عليه السلام عن عفّته. فتقرر الراوية ارتداء الحجاب وتُنهي شهادتها بالقول: “مهما اختلفت ألواننا تبقى حقوقنا واحدة”.

عودًا على بدء، لا يخفى على القارئ اللبيب أن تأثير المشرفة هيفاء زنكنة واضح في تطوير المواد الأولية لهذه القصص والاستذكارات والشهادات وتحويلها إلى موضوعات فنية تترك أثرها في المتلقي، ويبدو هذا الجهد واضحًا وجليًّا في النهايات الفنية لمعظم القصص التي كان يمكن لها أن تنتهي نهاية عادية لكنّ عناية الروائية المحترفة هيفاء زنكنة تركزت على النهايات التنويرية الوامضة التي تضيء ذهن القارئ وتنقله من برودة الواقع إلى وهج الخيال.

هيفاء زنكنة: “دفاتر الملح”

دار “كلمة” للنشر والتوزيع، تونس 2019

التعليقات على خبر: الروائية العراقية هيفاء زنكنة في “دفاتر الملح”: ذاكرة الضحيّة ومخيال الجلاد

حمل التطبيق الأن