الوصولية التي يصعب فهمها

الوصولية التي يصعب فهمها هي في ظاهرها المودة والحب ولكن باطنهاالمصلحة والمنفعة

اخرى قبل 10 شهر

الوصولية التي يصعب فهمها هي في ظاهرها المودة والحب ولكن باطنهاالمصلحة والمنفعة

وطريق فيه من المكر الكثير والنفاق الكبير وعادة ما نكتشف تلك الشخصية بعد أن تكون سلبتنا ما أرادت لأن أهدافها الأخذ فقط وليس العطاء .

**والوصولية كلمة فرنسية تعني ” جريا أو عدوا ” وتدل على سلوك شخصية الإنسان الذي يكرس كل نشاطه الاجتماعي لهدف المكسب المادى او الترقي في المنصب أو الوظيفة “حب الرفعة” والذي لا يكون على استعداد لتنفيذ المتطلبات المعروضة عليه، وهي شكل من الأنانية والوصوليون هم الذين يبيحون لأنفسهم استخدام جميع الوسائل لإعلاء أعلى المراكز وإن كان على حساب الآخرين. وللأسف الشديد فأمثال تلك الشخصيات يظهرون من الطيبة القدر الكبير والاحترام أيضا بدرجة تجعلنا نثق فيهم، وقد تجعلنا نعطيهم أعز ما نملك، هذه الشخصية عادة ما تبدأ ضعيفة ولكنها تقوى بمرور الوقت .

إن علم النفس يعرّف الوصولي بالشخص الذي يضع نفسه في المقدّمة من دون تردد أو خجل أو شعور بالذنب، وبما أن التملق مرض اجتماعي خطير فإن القرآن الكريم لم يهون من شأنهم أو يلين لهم الجانب فقد خصص له سورة كاملة وهي سورة ( المنافقون) أن عبارات المديح قد تفقد مصداقيتها وبالتالي فعاليتها إذا تكررت بشكل مبالغ فيه حتى لو قيلت لشخص تميز في عمله بالفعل وبذلك تختل معايير الإثابة والعقاب

الوصولي شخصية ميكافيلية.. الغاية تبرر الوسيلة

إن مطالعة عميقة ودقيقة لكتاب “الأمير” للكاتب الإيطالي نيكولو ماكيافيلي الذي أصبح اسمه صفة ملازمة للانتهازيّة والنفعية تؤكد على أن الوصولي ماكيافيلي بامتياز لأنه يطبّق مبدأ النفعية ويخطّط بشكل جيد لهدفه وينتهز الفرص المناسبة للمباشرة بتنفيذ مخططاته ثمّ يقوم بإضعاف الذين ساعدوه من خلال الضغط عليه لتقليص دورهم لئلاّ يبقى رهينة لهم. في هذا الإطار يكون يطبّق المبدأ المكافيالي القائل بأن الغاية تبرّر الوسيلة.

للوصول الى ما يريد، أو لتحقيق الامتيازات من دون أي مجهود أو تضحية، معتبرًا أن سلوكه ممارسة ذكية. وهو مثال للإنسان الخائن الذي يبرّر خيانته لشخص بخيانة آخر حفاظًا على موقعه وأهدافه، نادرًا ما يشعر بوخز الضمير، هو الرجل المقنّع الذي يخفي خلف قناعه جلاّدًا ومسكينًا في آن واحد، إذ يبكي ويتمسكن حين يشعر بالتهديد ويجد نفسه في موقع المساءلة، ويصبح شرسًا وعدائيًّا عندما يشعر بالتفوّق. عدائي ينزع إلى الإطاحة بالآخر ليحفظ بقاءه أو لضمان السيطرة على الحيّز الذي يشغله، والاستيلاء على ما لدى الآخر من مركز أو مال أو علاقات اجتماعية يستغلّها لمصلحته الشخصية.

وهو أسير القلق الدائم من افتضاح أمره ومن فشله في تحقيق مآربه ويرتعد عندما يشعر بخطر يهدّده.

سمات شخصية الوصولي

متمركز حول ذاته، نرجسي، إدراكه لأناه مشوّش، وأناه هذه ضعيفة ومضخمة في آن واحد بسبب قدرته على تحقيق أهدافه المدمّرة، عنيد دون وجه حق، تتآكله الغيرة من نجاح الآخرين، سلوكه الظاهري يختلف عن حقيقته وعن مضمون عقله الباطن الذي يكبت صراعات جعلته أسير الدونية والشعور بالتهميش، مزاجي وانفعالي وذو نزعة قتالية.

الأسباب التي تجعل من الإنسان وصوليًّا

الأسباب كثيرة نذكر منها: تجارب محبطة حدثت في الطفولة، القلق، الافتقاد إلى الشعور بالأمان، عدم الاستقرار والاكتفاء العاطفيّين، عدم إشباع الحاجات، العجز عن استغلال الطاقات بالشكل الصحيح بسبب عوائق نفسية معينة، الشعور بالدونية وانعدام الأهمية الذاتية، الغيرة بمختلف أوجهها والناجمة عن أسباب تربوية واجتماعية واقتصادية وعلمية وأحيانًا جمالية، فضلاً عن عدم تأصّل المبادئ في تربيته.

فالوصولية تعبّر عن اضطرابه الذي ينمّ عن غيرته وحسده من الآخرين، وضعف ثقته بنفسه وقدراته، وخوفه من الأقوياء، ورفضه لدونيته، وخاصة عن غضبه من الحياة التي لم تمنحه ما كان يتمنّاه، فيحاول الانتقام منها لذاته عبر هذا السلوك غير السوي الذي ينفس من خلاله عن مكبوتاته. وهو في وصوليته يبحث عن ذاته لكنه لا يجدها فيتعلّق بأذيال الغير لتحقيق ذاته من خلالهم.

الوسائل التي يستخدمها الوصولي

تختلف الوسائل بين الوصولي المرؤوس والوصولي الرئيس. لكنّ بينهما جامع مشترك هو إخفاء حقيقتهما خلف قناع من الاتزان والمحبة الكبيرة والطيبة والصدق والمثالية، وادعاء البراءة، والمخاطبة في المثاليات والقيم، وتثمين مشاعر الآخرين وأحاسيسهم على حساب مشاعرهما الخاصة. ، كما يفرط في إطراء الشخصيات التي توازيه مكانة وأهمية ومنصبًا والاهتمام بها ليستغلّها، في ما بعد، لخدمة مصالحه من جهة، وللشعور بتفوّقه عليها من جهة أخرى.

يتزلّف ويتوسل أصحاب الجاه والمناصب أو المدراء والرؤساء ويفرط في إطرائهم ومجاملتهم واحترامهم وخدمتهم والاهتمام بهم ورعايتهم ويوافق على آرائهم وتعليماتهم وقراراتهم للسيطرة عليهم والظفر بهم لاستغلالهم قدر الإمكان بغية تحقيق مآربه؛ لا يعتبر الاستزلام خنوعًا بل سبيلاً لتحقيق غاياته، كما يعتبر أن بيع نفسه لمَن يدفع الثمن الأغلى أسلوب تجاري رابح، لذلك لا يتردّد في الانتقال من موقع إلى آخر مسقطًا كل معاني الوفاء والإخلاص لمَن مدّ له يد العون، فكل شيء قابل للبيع بالنسبة للوصولي من أجل مصلحته الشخصية.

الرجال أكثر وصوليّة من النساء

ذلك لأنّ أكثر ما تصبو إليه المرأة هو الحصول على المال بالدرجة الأولى أو مكانة اجتماعية أو مهنية أو الشهرة لتحقيق المكاسب المادية وبعض السلطة التي تمارسها في منزلها وفي مكان عملها، أو استغلال المحيطين بها لخدمتها أو لتوفير القليل من المال. فإننا نجد الرجال أكثر رغبة في الوصول إلى مراكز قيادية اجتماعية أو تفوق مالى يستغلونها طمعًا برفع قيمة تراكمهم الرأسمالي على حساب من يحبونهم .

تفادي شر الوصولي

الوصولي شخص ذو سيكولوجية مضطربة يشكّل القلق سمتها الأساسية، لذلك فهو قلق على نفسه، يعاني الشعور الدائم بعدم الأمان والدونية وإن كان قد حقّق مركزًا مرموقًا في أي مهنة. من هنا فليس على الأسوياء اتّقاء شرّه لأنه هو الذي يتّقيهم فعليًّا لحماية نفسه عبر سلوكه غير السوي. لكن موقع الوصولي هو الذي يحدّد كيفية التعامل معه.سواء كان مرؤوسًا او كان رئيسًا

( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ).

كم نحن بحاجة في زمن الفتن للثبات على المبدأ، والاستقامة على القيم، ورسوخ العقيدة، ودوام النهج السديد، فهي الحصانة من التلون والانتكاس والمراوغة، فعن خالد بن سعد أن حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ لما حضرته الوفاة دخل عليه أبو مسعود الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ فقال : يا أبا عبد الله, اعهد إلينا فقال حذيفة:(( أو لم يأتـك اليقين, إعلم أن الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر, وأن تـنكر ما كنت تعرف, وإياك والتـلون في دين الله, فإن دين الله واحد)).

الشخصية الوصولية مستعدة للتخلي عن القيم والمبادئ، والتقولب بقوالب جديدة حتى لو تنافت مع مفاهيمه، والتأطر بإطار جديد، وبالتالي يتيح لنفسه استخدام أساليب النفاق والتملق والتزلف، لصاحب القرار والمعني بذاك الشأن وكسب وده، والإطراء والمبالغة بالمدح بما لا يستحق، وانتقاص الآخرين وخصومتهم وبغضهم، والتحريض ضدهم والاستعلاء عليهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام( الكبر بطر الحق وغمط الناس )

قد يستعمل البعض سياسة ” الأنا ” الفرعونية وعدم الاعتراف بالآخرين، وسياسة ” على علم عندي ” القارونية ( نسبة الى قارون ) ونسبة الخير لنفسه وانتقاص جهود الآخرين، وهاتان السياستان المقيتتان من مظاهر الوصوليين في زمن الفتن والمصالح والتلون، أضف إلى ذلك سياسة التدليس والانتهازية للوصول إلى القمة على حساب جراحات وآلام الآخرين!! وسياسة الوصاية وإقصاء الآخر واحتقار جهوده، بنظرة فئوية ضيقة، وتقريب البعيد وإبعاد القريب بمعايير غير مهنية، ونبينا عليه الصلاة والسلام يقول( إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ).

من مظاهر الوصوليين

عدم نكران الذات، وعدم الاعتراف بصاحب الفضل والبذل والعطاء، إما لأسباب شخصية أو فئوية، أو لأن إظهار الحقائق يتقاطع مع الوصول لأغراض وأهداف ضيقة، حتى لو كان من تم إقصائهم لهم باع وفضل على أولئك.

أعلمه الرماية كل يوم *** فلما اشتد ساعده رماني *

وكم علمته نظم القوافي *** فلما قال قافية هجاني *

الوصولي ليس له مبدأ ثابت ولا طريق واضح، يتلون كما تتلون الحرباء، مع تميزه باللعب في العبارات والتناقض في التصريحات، والاضطراب في المواقف والملمات، فهو مع الريح والسائد والغالب، موقفه متذبذب لا يستقر إلا وفق هواه ونظرته القاصرة.

من مظاهر الوصولي يهوى التصفيق من غير نقاش لا يقبل ا و تحمل أي نقد بناء، ويسمح لنفسه بموعظة الناس، وهو لا يقبل الموعظة من أحد والتوجيه، ويتيح لنفسه تصنيف الآخرين بما يحلو له من أوصاف، مع رفضه آراء غيره فيه!!ينتقص الآخرين في علمهم وخلقهم وسمتهم، في الوقت الذي لا يقبل أي كلمة ضده، لأنه معظم مبجل ومقدس في قرارة نفسه ولدى أتباعه، المزمرون المصفقون المطبلون الموافقون بكل شيء علموا أو لا يعلمون!!

ليس لدى الوصولي الشجاعة الكافية لمواجهة الحقائق الدامغة والحجج البينة والبراهين الساطعة، الوصوليون يهابون من يتفوق عليهم ويخشونه ويحسبون له الحسابات، مع تربصهم به ومحاولة تشويه سمعته وتدميره، بكل الطرق والوسائل حتى التي تتنافى مع أبسط الأخلاق والقيم والمبادئ، للوصول لأهدافهم وتحقيق مآربهم.

الوصولي ينطلق من منطلق الإحساس بالنقص وعدم الثقة بالنفس، إذ يحاول الإثبات بأنه الناجح دون سواه، وأنه الصواب دون غيره، لذلك يحاول دائما الحديث على خصومه والترصد لهم وتتبع العثرات، مع سوء الظن وتحميل مواقفهم وسلوكهم ما لا تحتمل، لأن مبادئهم مطاطية هلامية تتغير حسب الظرف والضرورة.

ليس عيبا أن يتراجع الإنسان عن خطأ ارتكبه، أو انحراف تلبس به فترة من الزمن، أو الاعتراف بالذنب وتصويب مسار معوج سابق، بل هذا واجب ومطلوب إذ يقول عليه الصلاة والسلام (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) لكن من المعيب الإصرار على الذنب وعدم الاعتراف به، ومن الطامات البقاء على مسار منحرف أو فهم خاطئ أو معتقد فاسد أو نهج معوج أو سلوك مشين والإصرار عليه، بعد معرفة الحق والصواب وطريق النجاة.

كما قال عليه الصلاة والسلام(لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع )

من أبرز الأسباب المؤدية لانتشار الوصوليين إلى أن يصبحوا ظاهرة وإشكالية في المجتمعات:

1. قلة العلم الأصيل والاستعاضة عنه بعلم طارئ دخيل.

2. ضعف الإيمان وقلة التقوى وانعدام الصدق في القول والإخلاص في العمل.

3. طغيان الحياة المادية واستحواذها على تفكير غالبية الناس، إلا من رحم الله وقليل ما هم.

4. كثرة النفاق الاجتماعي والفصام النكد، ومخالفة الافعال والأعمال للأقوال.

5. الإنهزام النفسي الداخلي، وضعف الثقة بالنفس.

6. كثرة المجاملات والمحاباة والمحسوبيات على حساب الدين والمنهج والسلوك والقيم.

 

 

التعليقات على خبر: الوصولية التي يصعب فهمها هي في ظاهرها المودة والحب ولكن باطنهاالمصلحة والمنفعة

حمل التطبيق الأن