الناخب الصهيوني اختياراته خارطة طريق الإرهاب والعنصرية والتطرف

دروب التسويات في الشرق الأوسط على حساب الوطن الفلسطيني لصالح اليهود من ألفه إلى يائ *الحلقة “7 ”

اخرى قبل 2 شهر

 

دروب التسويات في الشرق الأوسط على حساب الوطن الفلسطيني لصالح اليهود من ألفه إلى يائ

*الحلقة “7 ”

 

* إعداد الكاتب والباحث في الشأن الفلسطيني المرحوم عبدالحميد الهمشري والمحامي علي أبوحبلة  الناطق الاعلامي باسم منتدى القوميين العرب

 

 

الناخب الصهيوني اختياراته خارطة طريق الإرهاب والعنصرية والتطرف

حين توجه الشهيد ياسر عرفات الذي اغتيل غدراً وبالموت البطيء ، بعد حصار طال أمده بمقره في رام الله ، العاصمة المؤقتة لفلسطين ، بتدبير صهيوني حاقد ، وبتغاضٍ يورو- أمريكي ، وبعجزٍ عربي إسلامي عن صنع شيء ، حين توجه إلى نيويورك وألقى خطابه الشهير في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974معلناً بالقول : ” لقد جئتكم يا سيادة الرئيس بغصن الزيتون مع بندقية ثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي” ، كان يمد بالفعل لا بالقول يده لسلام قائم على العدل ، لكن لم يسعفه الناخب الصهيوني الذي يختار دوماً منذ تاريخ إلقاء الخطاب درب النار والدمار والتشدد والعنصرية والإرهاب والدولة القومية الرافضة للوجود الفلسطيني على أرض الآباء والأجداد ، والرد كما ورد على لسان سليم الزعنون – رئيس المجلس الوطني الفلسطيني في اجتماع المركزي مؤخراً يكون تنفيذ القرار الخاص بتعليق الاعتراف بإسرائيل ، وبرأي الزعيم الراحل جمال عبدالناصر أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة وبالمثل الشعبي لا يفل الحديد سوى الحديد ، فما تفرزه دوماً صناديق الاقتراع في الكيان الصهيوني منذ ذلك الحين تظهر بوضوح مدى تطرف وسادية الناخب في اختياراته وبميله للتشدد والعنف والإرهاب والتي يرى فيها خارطة طريق لإرهاب الخصم وبتطرف وبتحريض ورفض للحلول ، ويرى فيها السبيل لتحقيق أحلامه في امتلاك الشجر والحجر في الأرض العربية ، فهو من جاء باليمين الصهيوني المتشدد الذي توجه لاجتياح بيروت وترحيل المقاتلين الفلسطينيين وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية عنها ، وهي اليد التي طالت اسحق رابين بالاغتيال لوأد ما جرى التوقيع عليه في اتفاق أوسلو ، وأنهى خطوة كان ينظر إليها أنها خطوة قد تفضي لأمل استقرار تحلم به الطفولة وأجيال المستقبل ، وكل شعوب الأرض المحبة للسلام ، وهي التي تواصل اقتحاماتها للأقصى وتقتحم القرى في سكنات الليل وتشعل النار فيها وفي البيوت وأهلها نيام ، لكن بدعمٍ وأزرٍ من راعي الإرهاب الكاوبوي الأمريكي الذي يصر ويرفض الكشف أو إدانة تلك الممارسات التي تتنافى مع كل الشرائع السماوية والإنسانية ، وتغطي عليها بتسليط الضوء على ما يفعله المقاوم الفلسطيني الرافض للاحتلال وللذل والعبودية والتواق للحرية والاستقلال وفق ما تقره شرائع الأرض والسماء وتسم رفضه واتتفاضته ومقاومته بالإرهاب ، لتصور للعالم بأن الفلسطيني صاحب الأرض بالدخيل عليها والصهيوني الدخيل عليها بصاحبها ، وفرضت ذلك حتى على حكومات الشعوب التي هزمت في الحربين العالميتين الأولى والثانية ، كاليابان وألمانيا وحتى على كمال أتاتورك حين وقع وثيقة الاستسلام وشطب دولة الخلافة العثمانية.

تصوروا أنه بعد لأي وأخذ ورد وتعنت “إسرائيلي” وتنازل فلسطيني جرى توقيع اتفاق القاهرة (أوسلو) في 4 أيار / مايو 1994 الذي فصَّل المرحلة الأولى من الاتفاق والجدولة الزمنية للانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وأريحا والترتيبات الأمنية المتعلقة بذلك.

تبعه في 28 أيلول / سبتمبر 1995 أي بعد الاتفاق الأول بعام ونصف توقيع اتفاق طابا (أوسلو 2) في أجواء احتفالية كبيرة في واشنطن، مشروطاً بالمزيد من القيود الأمنية الصهيونية وهو يتعلق بتوسيع صلاحيات السلطة في المدن والريف الفلسطيني

في حال تمكُّن السلطة من تحقيق الأمن لـ”إسرائيل” وتضمن الاتفاق توزيع الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق “أ” و”ب” و”ج”. مناطق “أ” مراكز المدن الرئيسية في الضفة ما عدا الخليل ومساحتها لا تتجاوز 3% من المساحة الكلية للضفة الغربية التي يكون الإشراف الإداري والأمني عليها فلسطينياً ، ومنطقة “ب” وتضم القرى والريف الفلسطيني وتمثل نحو 25% من مساحة الضفة وتخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية ، أما الإشراف الأمني فيكون “إسرائيلياً” – فلسطينياً مشتركاً.فمنطقة “ج” الخاضعة للإشراف الإداري والأمني للكيان الإسرائيلي وهذه تشكل نحو 70% من الضفة، وتشمل المستوطنات والمناطق الحدودية وغيرها وقد اعتبرتها الحكومات الصهيونية المتعاقبة أراضٍ متنازع عليها ومن حق اليهود الاستيطان فيها ولم يعد هناك سوى 15% من مساحة الضفة الغربية تدير السلطة شؤونها الحياتية ، دون الأمنية والقدس التي أعلنت ترامبياً عاصمة الدولة العبرية فيها وللعلم المستشفيات في داخل المنطقة “أ” اعتبرت مناطق ” ج ” حتى تتمكن قواتها العسكرية من اقتحامها لاعتقال مطلوبين يجري علاجهم من إصابات تعرضوا لها أثناء مقاومتهم للاحتلال . وما أن بدأت القوات “الإسرائيلية ” انسحابها من المدن وإعادة انتشارها، حتى بدت مناطق السلطة الفلسطينية كالجُزُر المحاصرة في بحر أمني “إسرائيلي” فأوكل المهام المتعلقة بإدارة السكان وضبطهم أمنياً وجمع الضرائب وأعمال البلدية وغيرها إلى السلطة، بينما تولّى هو التحكم بمداخل ومخارج المدن والقرى الخاضعة للحصار الأمني والاقتصادي وفقاً لشروطه.

وعاد حزب الليكود في مايو 1996 إلى سدَّة الحكم بزعامة بنيامين نتنياهو الذي كان معارضاً لاتفاق أوسلو، ويعتقد أن الفلسطينيين أخذوا أكثر مما ينبغي أو أكثر مما يستحقون. حيث اضطرت السلطة الفلسطينية إلى تقديم تنازلات جديدة فيما يتعلق بوضع مدينة الخليل الذي تم التوقيع عليه في 15 كانون الثاني / يناير 1997 وهو اتفاق قسَّم المدينة إلى قسمين: يهودي في قلب المدينة بما فيها الحرم الإبراهيمي، وعربي ويشمل الدائرة الأوسع للمدينة. وتم وضع ترتيبات أمنية قاسية ومعقدة لضمان أمن الـ 400 يهودي المقيمين في وسط المدينة ، وبشكل يضمن راحتهم وتنقلهم بين أكثر من 120 ألف فلسطيني يسكنون الخليل ، مما جعل حياة سكان المدينة الفلسطينية جحيماً لا يطاق.

وتضمّن اتفاق الخليل إعادة جدولة زمنية لــ (إعادة انتشار) من أجزاء غير محددة من الضفة تبدأ في مارس 1997 وتنتهي في يونيو 1998، بدلاً مما كان مقرراً في أيلول / سبتمبر 1997.

نتنياهو تعامل مع السلطة الفلسطينية بكثير من اللامبالاة والازدراء والتعالي، ونشط أكثر في مجال توسيع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي وتهويد القدس. ورفض تطبيق الاتفاقيات أو التعاون مع السلطة ما لم تثبت فاعليتها بنسبة 100% في مكافحة المعارضة الفلسطينية وخصوصاً حماس والجهاد الإسلامي، وما لم تقدم أقصى درجات التعاون الأمني مع الكيان الإسرائيلي .. وقد تعثرت إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي مرة أخرى نتيجة التعنت الإسرائيلي.

واضطر عرفات في 5 مايو 1998 أن يقبل أخيراً عرضاً أمريكياً – كان قد رفضه مراراً – بانسحاب “إسرائيلي” من 13% من الضفة الغربية.

غير أن نتنياهو لم يوافق على هذا العرض إلا بعد أن وافق عرفات أن يكون هناك 3% من هذه الـ 13% على شكل محمية طبيعية.

وفي 23 تشرين أول / أكتوبر 1998 وقع الطرفان اتفاقية واي ريفر بلانتيشن التي تضمنت الانسحاب الإسرائيلي من 13% من أرض الضفة. كما تضمنت إطلاق سراح بضعة مئات من أصل 3000 معتقل سياسي فلسطيني، والسماح بتشغيل مطار غزة والسماح بطريق آمن بين الضفة والقطاع

وقد اتخذ اتفاق واي ريفر شكلاً أمنياً أكثر حزماً وتشدداً، إذ كان شرط تنفيذ ما سبق أن يُصعِّد الطرف الفلسطيني جهوده ضد ما أسماه “الإرهابيين” أي المقاومين للاحتلال أو ما يطلقون عليهم المخربين، ويصادر الأسلحة بناء على خطة أمنية مجدولة تحت إشراف المخابرات الأمريكية CIA، وإزالة كل ما يعادي “إسرائيل” في الميثاق الوطني الفلسطيني. وحسب الاتفاقية تتسع السيطرة الإدارية والأمنية للسلطة لتغطي 18% من الضفة (مناطق أ)، ويكون لها سيطرة إدارية فقط على 22% من (مناطق ب) ويكون ضمنها المحمية الطبيعية (3%).

وفي 16 تشرين الثاني / نوفمبر 1998 طمأن نتنياهو مجلس وزرائه أنه حتى بعد تنفيذ اتفاقية واي ريفر فإن الإسرائيليين سيظلون محتفظين بالسيطرة الأمنية على 82% من الضفة والقطاع. وفي 20 تشرين ثاني / نوفمبر 1998 انسحب الكيان الإسرائيلي من 34 بلدة وقرية شمال الضفة. وأطلق سراح 250 سجيناً فلسطينياً معظمهم مجرمين عاديين وليس معتقلين سياسيين. ثم عاد مجلس الوزراء الإسرائيلي فقرر توقيف تنفيذ اتفاقية واي ريفر في 20 كانون أول / ديسمبر 1998. ورجع الإسرائيليون إلى عادتهم في فتح وإغلاق “صنبور” تنفيذ الاتفاقيات كما يشاؤون سعياً لابتزاز تنازلات جديدة.

مع قدوم حزب العمل بقيادة إيهود باراك إلى السلطة من جديد في تموز / يوليو 1999 تجددت آمال السلطة الفلسطينية بالتعجيل بتنفيذ اتفاقات أوسلو، وحسم قضايا الحل النهائي. ورغم أن باراك قاد حملته الانتخابية على أساس الوصول إلى تسوية وتسريع عجلة المفاوضات، إلا أنه قدَّم “لاءاته الخمس” التي استند على أساسها برنامجه “السلمي”:

1. لا لإعادة القدس الشرقية للفلسطينيين، والقدس عاصمة أبدية موحدة للكيان الإسرائيلي.

2. لا لعودة الكيان الإسرائيلي إلى حدود ما قبل حرب 1967.

3. لا لوجود جيش عربي في الضفة الغربية (بمعنى أن أي كيان فلسطيني يجب أن يكون ضعيفاً غير مكتمل السيادة).

4. لا لإزالة المستوطنات اليهودية في الضفة والقطاع.

5. لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين.

وفي شرم الشيخ في 4 أيلول / سبتمبر 1999 وقع باراك وعرفات النسخة المعدَّلة من اتفاقية واي ريفر. وهي تتعلق بموضوع تعجيل إعادة الانتشار الذي اتفق عليه سابقاً وماطلت “إسرائيل” في تنفيذه. كما تم الاتفاق على تمديد فترة الحكم الذاتي إلى أيلول / سبتمبر 2000، مع أنه ينتهي حسب “أوسلو” في أيار / مايو 1999. كما نص على الإفراج عن مجموعة من المعتقلين الفلسطينيي.

وعلى أي فإن اتفاق شرم الشيخ نفسه لم يسلم من التسويف، إذ أن موعد استكمال عملية التسليم كان ينبغي أن يتم في 20 كانون ثاني / يناير 2000، لكن الخلاف على ما يمكن تسليمه أخّر التنفيذ إلى 21 آذار / مارس 2000.

* مسار التسوية ومفاوضات كامب ديفيد (تموز/ يوليو 2000) : بينما كانت السلطة الوطنية الفلسطينية في أمسّ الحاجة لتحقيق مكاسب على الأرض خصوصاً فيما يتعلق بالحلول النهائية وتحقيق حلم إقامة الدولة الفلسطينية ، فقد عانت من انتقادات عنيفة داخلية وخارجية بسبب ضعف أدائها في المفاوضات، والاتهامات بانتشار الترهل والفساد في أجهزتها. وفي الوقت الذي استمر فيه التسويف والابتزاز “الإسرائيلي” اضطرت السلطة عدة مرات لتأجيل إعلان الدولة الفلسطينية الذي كانت تَعِدُ به الجماهير منذ أيلول/ سبتمبر 1998، ثم هددت بإعلانها في أيار/ مايو 1999، ثم أيلول/ سبتمبر 1999، ثم أيار/ مايو 2000، ثم أيلول/ سبتمبر 2000. ورغم أن الصهاينة لا يتعاطون بكثير من الجدية مع هذه التهديدات لأنهم يعلمون أن هذا الإعلان السياسي لن يغير من واقع احتلالهم للضفة والقطاع. غير أنه كانت هناك خشية “إسرائيلية” – فلسطينية – أمريكية من حالة الإحباط المتصاعدة في المنطقة، والتي يمكن أن تؤدي إلى انهيار مشروع التسوية. وأدركت الأطراف أنه لا بد من نهاية قصوى لحالة التسويف والابتزاز القائمة، وإلا فإن خيار الجهاد والمقاومة المسلحة سيعود للبروز من جديد

ولذلك تواصلت مفاوضات المرحلة النهائية بشكل أكثر جدية في أماكن مختلفة مثل قاعدة بولينج الأمريكية في نيسان/ أبريل 2000، وفي استكهولم في أيار/ مايو 2000 وبدا أن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي أخذا يكشفان أوراقهما حول الوضع النهائي، وانتقلت اللغة “المتشددة” من الطرفين إلى “تَفَهّم” أكثر لاحتياجات كل منهما.

وكان واضحاً في المفاوضات أن الكيان الإسرائيلي لا يزال يسعى للاحتفاظ بتفوقه الاستراتيجي على العالم العربي حتى بعد تحقيق التسوية، حتى إن باراك وصف السلام القادم بأنه سيكون في بداية الأمر “سلاماً مسلحاً”.

وقد حاولت الأطراف بشكل حثيث الوصول إلى تسوية قبل قدوم الموعد الأخير الذي ضربه الفلسطينيون لإعلان دولتهم (أيلول/ سبتمبر 2000). وفي حزيران/ يونيو قال باراك عقب اجتماعه مع دينيس روس المنسق الأمريكي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط “إن مفاوضات السلام مع الفلسطينيين بلغت درجة نضج تسمح بالتوصل إلى اتفاق… وإن أياً من الطرفين لا يمكن أن يحقق كل أحلامه… إلا إن هناك فرصة فريدة للطرفين للوصول إلى اتفاق تاريخي”.

وقد نشرت “يديعوت أحرنوت” في 23 حزيران/ يونيو 2000 نص وثيقة أمريكية تكشف استعداد “إسرائيل” للانسحاب من 90% من الضفة والقطاع ونقلهما للسيادة الفلسطينية الكاملة. والموافقة على أن يكون نهر الأردن والجسور المقامة عليه والأحياء العربية في القدس تخضع في النهاية لسيطرة الفلسطينيين، على أن تقوم “إسرائيل” بضم مناطق وتجمعات الاستيطان اليهودي الرئيسة في الضفة، ومن ضمها تلك القائمة في محيط منطقة القدس. وعلى أن تحل مشكلة اللاجئين على أساس مبدَأَي التعويض والتوطين، ولتحقيق ذلك يحصل الفلسطينيون على 40 مليار دولار والأردنيون على 40 مليار دولار أخرى، ويحصل اللبنانيون على 10 مليارات والسوريون على 10 مليارات. واقترح أن تقوم أمريكا بتغطية 25% من هذه المبالغ التي ستصرف على مدى 10-20 عاماً عن طريق إنشاء منظمة دولية جديدة تحل محل الأونروا. كما وعدت الوثيقة بمساعدات غير محددة للفلسطينيين، منها خمسة مليارات لإنشاء بنية تحتية لتوفير المياه وفي الوقت نفسه تسربت الأخبار عن مشروع فلسطيني للتسوية النهائية، نشرته صحيفة “يديعوت أحرنوت” في 25 حزيران/ يونيو 2000 على أساس ما أسمته “قائمة مطالب عرفات للسلام”، مشيرة إلى أنها نقلته عن مصدر إسرائيلي رفيع. وقد تضمن:

انسحاب إسرائيلي من 98.5% من الضفة الغربية ، الموافقة على بقاء جزء من المستوطنات تحت السيادة الإسرائيلية داخل حدود المستوطنة بالإضافة إلى 50 متراً خارج جدرانها ، الموافقة على أن الشوارع المؤدية للمستوطنات تكون تحت السيادة الإسرائيلية، أما جوانب الشوارع فتحت السيادة الفلسطينية ، وقد أشارت الوثيقة إلى أن عرفات سيوفق في النهاية على كتل استيطانية بحدود 4% من الضفة ، توضع القدس العربية (الشرقية) تحت السيادة الفلسطينية الكاملة، وتكون عاصمة فلسطين، مع بقاء الحي اليهودي وحائط البراق “حائط المبكى” وحي المغاربة تحت السيادة الإسرائيلية، فضلاً عن القدس الغربية، ومستوطنات معاليه أدوميم وجيلو وراموت ، بالنسبة للخليل: يقوم الإسرائيليون بإخلاء مستعمرة كريات أربع وحي أبراهام أبينو في الخليل، ويُمنحون طريقاً حرة للوصول إلى الحرم الإبراهيمي ، يوافق الفلسطينيون على استئجار الإسرائيليين قطعة ضيقة على شريط غور الأردن لفترة محدودة وتحت السيادة الفلسطينية ، يجب أن يعترف الإسرائيليون بحق العودة الكامل للاجئين الفلسطينيين، وبالاعتراف بمسئوليتهم عما حدث لهم، وتعويض من لا يرغب منهم بالعودة.

وقد أشارت الصحيفة إلى أن هناك ليونة خلف هذا الموقف الرسمي، إذ إن المسئولين الفلسطينيين سيوافقون في النهاية على إعادة 100 ألف فلسطيني في إطار جمع شمل العائلات ، الموافقة على أن تكون الدولة الفلسطينية منـزوعة من السلاح الثقيل ، تعويض الفلسطينيين عن المستوطنات الإسرائيلية التي ستضمها “إسرائيل” تحت سيادتها، وذلك بتسليمهم أرضاً مساحتها 200 كم2 من الأرض المحتلة سنة 1948 (داخل الخط الأخضر). واقترح أن تتكون من جزأين، الأول منطقة طولية تستخدم ممراً برياً بحيث تصل بين قطاع غزة وحاجز ترقوميا في أطراف جبل الخليل على حدود الضفة الغربية. أما الجزء الثاني فيكون جنوب مرج ابن عامر في منطقة القرية العربية “مقيبلة” ، الإفراج عن كافة المعتقلين وتنفيذ فوري للانسحاب حسب اتفاق أوسلو.

ومن خلال النظر في المشروعين السابقين (الوثيقة الأمريكية، ومطالب عرفات) يتضح أن الطرفين اقتربا بصورة أكثر جدية من تحقيق حل دائم. وفي الوقت نفسه حافظ الطرفان على حالة من التوتير الإعلامي، كجزء من مناورات التسوية. فقد هددت السلطات الإسرائيلية باستخدام الدبابات والطائرات ضد المناطق الفلسطينية. حيث رد ياسر عرفات على ذلك في مهرجان خطابي في نابلس أمام الآلاف من مؤيديه من أنصار حركة فتح قائلاً “نحن مستعدون لأن نُشطب ونبدأ من جديد” وذكّر إسرائيل “بهزائمها” في الكرامة وبيروت والانتفاضة، وهدد بإشعال الانتفاضة من جديد.

وفي الجهة المقابلة، لم يكن باراك يتمتع بوضع مريح في حكومته ولا في الكنيست يمكنه من اتخاذ قرارات مصيرية. وحتى لو وافق على الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، فإنه كان سيواجه احتمالات جدية بسقوط حكومته، وعدم تمرير الاتفاقات في الكنيست أو في الاستفتاء الشعبي. فقد كان حزب العمل الذي يتزعمه باراك لا يملك أكثر من 26 مقعداً من أصل 120 ويحكم ضمن تحالف متنافر يجمع اليمين الديني المتشدد مثل المفدال وشاس كما يجمع اليسار العلماني “ميرتس”. وقد تمكن حزب الليكود المعارض في 2 مارس 2000 من تعقيد الوضع بالحصول على قرار من الكنيست بأن أي تسوية سياسية يجب أن تحصل على غالبية أصوات الناخبين المسجلين في استفتاء شعبي (وليس فقط أكثرية المشاركين في الانتخابات). وتزايدت معارضة اليمين الإسرائيلي للتسوية في شهر حزيران/ يونيو 2000، وانسحب عدد من الأعضاء اليمينيين من حكومة باراك مما أفقدها غالبيتها في البرلمان (الكنيست)

وفي يوم ذهابه إلى واشنطن للمشاركة في مفاوضات كامب ديفيد، اجتاز باراك “امتحان” إسقاط حكومته بصعوبة بالغة عندما طُرحت الثقة بحكومته، وفاز الاقتراح بغالبية 54 صوتاً ضد 52 صوتاً، لكنه لم يكن كافياً لإجباره على الاستقالة لعدم حصوله على أغلبية 61 صوتاً. وعلى ذلك، فإن باراك ذهب إلى المفاوضات وهو يعي تماماً قوة المعارضة “الإسرائيلية” للتسوية، وإدراكه عملياً أنه على الأغلب لن يستطيع تسويق التسوية للشارع الإسرائيلي في ظل تلك الأوضاع، حتى لو أراد حزب العمل ذلك. وهذا يضع علامة استفهام على مدى جدية باراك وحكومته في مفاوضات كامب ديفيد ومع اقتراب انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي كلينتون أخذ يسعى بقوة لتحقيق إنجاز تاريخي، فدعا إلى عقد مفاوضات التسوية النهائية في كامب ديفيد، باذلاً ما في وسعة لإنجاحها، مفرغاً نفسه عدة أيام في أثناء انعقادها. وقد انعقدت مفاوضات كامب ديفيد 12-25 تموز/ يوليو 2000 بحضور كلينتون وباراك وعرفات. وظهر أن المشروعين السابقين كانا أساساً لتلك المفاوضات.

وكان موضوع القدس هو العقبة الكأداء التي واجهت المؤتمر، والتي أدت إلى فشله، كما بقيت معضلة اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة دون حل. وكان موضوع السيادة على القدس الشرقية والوضع النهائي للمسجد الأقصى بالذات هم النقطتان الأكثر حساسية. إذ أصر الصهاينة على القدس عاصمة موحدة “لإسرائيل”، وعلى نوع من السيادة على حرم المسجد الأقصى الذي يسمّونه جبل (المعبد) الهيكل ، ويحلمون بإنشاء الهيكل اليهودي الثالث عليه. فكانت هناك اقتراحات بأن تكون هناك سيادة يهودية على الأرض تحت المسجد الأقصى، أو بالاشتراك مع المسلمين بجزء من حرمه، أو حتى ببناء المعبد اليهودي على أعمدة عالية فوقه. وقد أصرّت السلطة الفلسطينية على موقفها من السيادة على القدس الشرقية، وأبدت موافقتها على فكرة أن تكون القدس مدينة مفتوحة وعاصمة لدولتين، واستعدت للاستجابة للمتطلبات الأمنية الإسرائيلية بشأنها. وقد جرت محاولات لإنقاذ الموقف باقتراح تأجيل موضوع القدس مدة سنتين أخريين غير أن عرفات رفض ذلك، وأصرّ على موقفه بإسناد مصري سعودي قوي، وصرح بأن “القدس تحرق الحي والميت”، وبأنه “لم يولد الزعيم العربي الذي يتنازل عن القدس”

أما بالنسبة للصهاينة فإن مجمل ادعاءاتهم التاريخية والدينية في فلسطين تتركز حول القدس وبالذات “جبل المعبد” حسب تسميتهم للمسجد الأقصى. وهم يسعون منذ العشرينيات من القرن العشرين لهدم الأقصى وبناء هيكلهم، وكان الزعيم الصهيوني ديفيد بن جوريون الذي قام على عاتقه الكيان الإسرائيلي وكان أول رئيس وزراء له يقول إنه “لا معنى لإسرائيل دون القدس، ولا معنى للقدس دون الهيكل”. وبحلول سنة 2000 كان الكيان الإسرائيلي قد قام بالكثير من الخطوات العملية لتهويد القدس الشرقية فأسكن فيها نحو 200 ألف مستوطن متوزعين على 27 مستوطنة وحي يهودي، وبحيث تفصل القدس عن محيطها العربي في الضفة. كما قام بعمليات حفريات مكثفة تحت المسجد الأقصى وصلت إلى عشر مراحل، وحفر خلالها أربعة أنفاق وفرّغ من تحته الأتربة، وحاول إذابة الصخور بالمواد الكيماوية مما هدد بانهيار المسجد الأقصى في أي لحظة. كما وقع أكثر من 120 اعتداء على الأقصى، حدث ثلثاها في السنوات التي تلت توقيع اتفاق أوسلو سنة 1993.

وقبيل انهيار المفاوضات، وعندما أخذت نذر الفشل تلوح في الأفق عاد الطرفان للغة التهديد. فقد حذر باراك الفلسطينيين من “مواجهة نتائج مأساوية في حال الفشل” وقال “إذا لم تصلوا إلى اتفاق معي فسأكون آخر رئيس وزراء إسرائيلي يمكن التوصل إلى اتفاق معه”، كما بدأت القوات الإسرائيلية استعدادات عسكرية واسعة لخوض المواجهات في حال فشل القمة.

وأصبحت المنطقة مقبلة على “مستقبل أسود” بعد فشل قمة كامب ديفيد حيث توقعت مصادر أمنية إسرائيلية حسبما نقلت صحيفة “يديعوت أحرنوت” أن هذا الفشل سيؤدي لمواجهات شاملة يحاول الفلسطينيون خلالها تحقيق عدة أهداف أبرزها توحيد الصف الفلسطيني من مؤيدي السلطة ومعارضيها، بقصد تصليب الموقف الفلسطيني تجاه المفاوضات ، تحقيق مكاسب إقليمية بتنظيم مسيرات ومظاهرات باتجاه المستوطنات “الإسرائيلية” ومناطق “ب”، ومحاولة الاستيلاء على ما يمكن الاستيلاء عليه سلمياً ، إظهار “إسرائيل” على أنها دولة محتلة عدوانية لا تتورع عن ارتكاب المجازر لتكريس احتلالها، مما يضطرها في النهاية إلى الرضوخ للإرادة الدولية والانسحاب.فأعلن الجيش “الإسرائيلي” استعداده لأي احتمالات مع الفلسطينيين.

حيث تفجرت انتفاضة الأقصى التي شغلت العالم ولا تزال تشغله منذ 28 أيلول/ سبتمبر 2000.

في الحلقة القادمة انتفاضة الأقصى وما ترتب عليها من تداعيات..

منتدى القوميين العرب / قسم البحوث والدراسات

تحريرا في 28/7/2021

 

التعليقات على خبر: دروب التسويات في الشرق الأوسط على حساب الوطن الفلسطيني لصالح اليهود من ألفه إلى يائ *الحلقة “7 ”

حمل التطبيق الأن