انتخابات ما بعد ميركل.. ألمانيا تبحث عن وجهها

انتخابات ما بعد ميركل.. ألمانيا تبحث عن وجهها

افاق قبل 1 شهر

انتخابات ما بعد ميركل.. ألمانيا تبحث عن وجهها

علي ابو حبلة

تشكل المناظرة الانتخابية التلفزيونية التي جرت الأحد 12/9/2021 إحدى الفرص الثمينة أمام أرمين لاشيت، مرشح المعسكر المحافظ لخلافة أنغيلا ميركل في المانيا، من أجل استعادة المبادرة وسد الفجوة مع منافسه الرئيسي من يسار الوسط.

وقبل أسبوعين من الانتخابات واجه لاشيت المعروف بارتكابه الزلات منافسيه وزير المالية أولاف شولتز من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وأنالينا بيربوك من حزب الخضر ذي الميول اليسارية، في مناظرة ثانية من أصل ثلاث مقررة بين المرشحين. فقد تحولت أول انتخابات عامة في حقبة ما بعد ميركل الى منافسة محمومة غير متوقعة في أكبر اقتصاد في أوروبا، وأظهر استطلاع للرأي أن أولاف شولتز مرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي لمنصب مستشار ألمانيا تغلب على منافسه المحافظ في مناظرة تلفزيونية في أوقات الذروة يوم الأحد مما عزز حملته لخلافة أنغيلا ميركل في الانتخابات التي تجري خلال أسبوعين.

وأظهرت استطلاعات للرأي تقدم الحزب الاشتراكي الديمقراطي على المحافظين وقد تجاهل مرشحه شولتز، وزير المالية الحالي، انتقادات أرمين لاشيت لسجله في معالجة غسل الأموال وما إذا كان سيتحالف مع حزب يساري متطرف.

وأظهر استطلاع لمحطة (إيه.أر.دي) تم إجراؤه بعد فترة وجيزة من المناظرة التي استمرت 90 دقيقة أن 41 في المئة ممن شملهم الاستطلاع يعتقدون أن شولتز كان الأكثر إقناعا مقابل 27 في المئة للاشيت و25 في المئة لمرشحة حزب الخضر أنالينا بربوك. وقالت صحيفة «بيلد» اليومية إنّ لاشيت كان بحاجة إلى الظهور بمظهر المنتصر، للحفاظ على فرصه في خلافة ميركل. وكتبت «حصل تبادل عنيف لِلّكَمات، لكن لم يسقط أحد».

التطوّرات الآنفة الذكر، دفعت بميركل، التي كانت قد تعهّدت بالبقاء خارج المعركة الانتخابية، إلى العودة لتنضمّ إلى المعركة، عبر اصطحاب لاشيت معها، خلال زيارة تفقّدية للمنطقة التي ضربتها الفيضانات. كما استغلّت خطاباً لها في البرلمان لتُصوّره على أنه الخيار الأفضل لخلافتها، قائلة إنّه يؤيد «الاستقرار» و»الوسطية». ميركل انتقدت، من جهة أخرى، شولتس لعدم استبعاده، بشكل قاطع، إقامة تحالف مع «حزب اليسار» الألماني، الذي ينادي بحلّ «حلف شمال الأطلسي»، والذي حصل على 6 في المئة في أحد الاستطلاعات، ما يعني نظريّاً أنه من الممكن أن يشكّل جزءاً من تحالف ثلاثي مع «الحزب الاشتراكي الديمقراطي» و»حزب الخضر». كلّ ما تقدّم يحيل إلى واقع مؤكّد، وهو أن أوّل انتخابات عامّة في حقبة ما بعد ميركل تحوّلت إلى منافسة محمومة غير متوقّعة، بدا فيها أن تأييد الناخبين لتكتّل يمين الوسط الذي تنتمي إليه ميركل، ويجمع «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» و»الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي في بافاريا»، تراجع إلى مستويات دنيا تاريخية بنحو 20 في المئة، وهو ما أفسح المجال أمام «الحزب الاشتراكي الديمقراطي» ليتقدّم بنحو 26 في المئة. أمّا «حزب الخضر»، فحقّق نسبة 15 في المئة، فاتحاً جميع الاحتمالات لتشكيل ائتلافات. وقد دفع كلّ ذلك بالمراقبين إلى اعتبار أن فرص فوز لاشيت، آخذة في التلاشي بسرعة.

في المحصّلة، أيّاً كان من يتولّى السلطة، فسيكون عليه أن يقرّر إلى أيّ مدى سيبني على سياسات ميركل، أو سيضع البلاد على مسار جديد. وإذا ظلّ حزبها المحافظ مسيطراً، فمن المحتمل أن يكون هناك تناسق أكثر ممّا لو عاد «الاشتراكيون الديمقراطيون» إلى السلطة، أو صَنَع دعاة حماية البيئة التاريخ، وتولّى أحدهم منصب المستشارية لأوّل مرة. وأيّاً يكن، يظلّ توجيه ألمانيا للخروج من جائحة فيروس «كورونا»، مع التركيز على إنعاش الاقتصاد، القضية الأكثر إلحاحاً على الصعيد المحلّي. أمّا سياسات المناخ، التي ستكون أكثر أهمية بعد الفيضانات الأخيرة، والتنمية المستدامة للقطاع الصناعي في البلاد، فهي أيضاً في أذهان الناخبين. كذلك، برزت في المناقشات قضايا ضمان المساواة الاجتماعية والأمن.

وعلى جبهة السياسة الخارجية، سيسعى كلٌّ من «المحافظين» و»الاشتراكيين الديمقراطيين» إلى إدامة تجارة ألمانيا المزدهرة مع الصين، والحفاظ على موقعها بالنسبة إلى روسيا. ويتضمّن ذلك خطّ أنابيب «نورد ستريم 2»، الذي من المتوقّع أن يكتمل في وقت لاحق من هذا العام، وسينقل الغاز الطبيعي مباشرة إلى ألمانيا من روسيا، متجاوزاً أوكرانيا ودول أوروبا الشرقية الأخرى، وهو ما يقف ضدّه حزب «الخضر». أمّا في ما يتعلّق بالصين، خصوصاً، فقد كان نهج ألمانيا تجاهها «يتغيّر من خلال التجارة»، لكنّ النفوذ الصيني المتزايد في الخارج، جعل هذه الاستراتيجية موضع تساؤل، وهو ما يتزامن مع ضغوط مارستها واشنطن على الحلفاء المتردّدين لاتخاذ موقف أكثر تشدّداً تجاه بكين. لكنّ برلين ظلّت، في عهد ميركل، متردّدة في الاستجابة لواشنطن، وهو ما لا يُتوقّع أن يتغيّر في ظلّ حكومة يقودها حزبها، أو «الاشتراكيون الديمقراطيون». على المستوى الأوروبي، تتّفق جميع الأحزاب السياسية - باستثناء «البديل» اليميني المتطرّف - على أن ألمانيا تنتمي بقوّة إلى الاتحاد الأوروبي. ويدفع «حزب الخضر» في اتّجاه إحياء «المشروع الأوروبي»، مع اتّخاذ إجراءات أكثر صرامة ضدّ المجر والأعضاء الآخرين، الذين يفشلون في «دعم المبادئ الديمقراطية».

التعليقات على خبر: انتخابات ما بعد ميركل.. ألمانيا تبحث عن وجهها

حمل التطبيق الأن