التقسيم الزماني والمكاني للأقصى

التقسيم الزماني والمكاني للأقصى

افاق قبل 2 شهر

التقسيم الزماني والمكاني للأقصى

علي ابو حبلة

تُرجع فكرة التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى للأذهان مأساة ما حدث منذ مذبحة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل قبل 23 عاما مضت، عندما قررت إسرائيل اقتطاع أكثر من نصف المسجد وتخصيصه للمستوطنين مع إغلاقه تماما أمام المسلمين أثناء الأعياد اليهودية.

هذا الأمر الذي إن وقع سيكون استنساخاً لما جرى في الحرم الإبراهيمي، وبالتالي سيفتح باباً لحربٍ دينية تعمل الحكومات الإسرائيلية على إشعالها منذ حريق الأقصى إلى مجزرة الحرم الإبراهيمي والتقسيم الزماني والمكاني الذي أُحدِث فيه عقب المجزرة ومحاولتها الفاشلة بتركيب البوابات الالكترونية والكاميرات في مداخل المسجد الأقصى وصولاً لعملها الدروب المسموم لتطبيق التقسيم ألزماني والمكاني في الأقصى الشّريف.

وكشفت «مؤسسة الأقصى للوقف والتراث» يوم 22/10/213 عبر وثيقة وخارطة لقوننة تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً بكامل تفاصيلها الدقيقة والخطيرة قام بإعدادها نشطاء من حزب الليكود يطلقون على أنفسهم اسم «منهيجوت يهوديت»(أو قيادة يهودية)يتزعمهم «موشيه فيجلين» نائب رئيس الكنيست آنذاك؛ ويحمل المقترح اسم «مشروع قانون ونظم للمحافظة على جبل الهيكل كمكان مقدس». ولا يهدف هذا المقترح إلى نزع السيادة الإسلامية عن المسجد الأقصى فقط؛ بل إلى نزع كامل صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية في كامل مساحة المسجد الأقصى؛ من قبل الاحتلال يحدد نظم وقوانين ولوائح يراها مناسبة حسب الشريعة والمواسم اليهودية؛ ليصبح المسجد الأقصى تابعاً لوزارة الأديان في إسرائيل ضمن المواقع المقدسة اليهودية و تحت صلاحيات هذه الوزارة وضمن حدود قوانين الأماكن المقدسة اليهودية. وحسب «الوثيقة» فإن المقترح يعمل على تقسيم المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود ويحدد مساحات لكل منهما؛ ويعتبر كامل مساحة المسجد الأقصى مقدساً يهودياً يطلق عليه «هار هبايت» أو «جبل البيت» .

ويحدد المقترح المرفق بخارطة بأن الجامع القبلي المسقوف هو فقط المسجد الأقصى؛ (وفيه فقط تؤدى الصلوات الإسلامية)؛ ويقتطع منه الجزء الموجود في أقصى الجهة الجنوبية خلف المحراب الجنوبي «منطقة الزاوية الخنثنية»؛ ويحدد المقترح بأن كامل مساحة صحن قبة الصخرة والجهة الشرقية منه مقدس يهودي خالص؛ ويجعل خمس مساحه المسجد مساحه للصلوات اليهودية بالأدوات المقدسة أحياناً فردية وأخرى جماعية؛ ويحدد أوقات الصلوات اليهودية الصامتة فيها. مع إمكانية زيادة الأوقات والمساحات التي تمكن اليهود من أداء صلواتهم؛ خاصة أيام الجمعة والسبت والأعياد والمواسم اليهودية؛ وإمكانية اقتحام و دخول اليهود للمسجد الأقصى من جميع الأبواب ؛وفي جميع الأوقات؛ ويجعل المقترح من صلاحية المفوض أن يحدد أوقات ومساحات في المسجد الأقصى لدخول اليهود فقط؛ كما يتضمن جملة من المحظورات والممنوعات ؛من أعمال الترميم والصيانة للمسجد الأقصى إلا بإذن من المفوّض؛ ويمنع الاعتكاف في المسجد الأقصى.

المشاركة التاريخية للحكومات الإسرائيلية في التقسيم

بدأت محاولات التقسيم بالتدرج بعد عام 1967، فقد كان في الماضي برنامجان في المسجد المبارك، الأول للمسلمين وهي أوقات الصلاة وبرنامج آخر للسائحين وهي عادة ما تكون فترة الصباح ما بين السابعة إلى الحادية عشرة وبين الظهر والعصر فقط . وكان السائحون يأتون من كل العالم بنظام ويدفعون تذكرة على الباب مع مراعاة الاحتشام في الملابس وكانت الأمور طبيعية .إلا أن إسرائيل استغلت هذا البرنامج بعد عام 1967 فأصبحت تدس مستوطنين وسط السائحين. وطبعا فإن المستوطنين لا يدخلون من أجل السياحة خصوصا أنهم يدخلون أكثر من مرة في اليوم الواحد، وهو ليس سلوك سائح وإنما له غرض آخر كنوع من التمهيد لتغيير وضع قائم. وتجلت تلك الإجراءات الاحتلال الفعلية لتقسيم المسجد الأقصى عام 1967 مع احتلال مدينة القدس وما تبقى من أراضي فلسطين بعد النكبة، فقد اقتحم آنذاك الجنرال الإسرائيلي مردخاي جور المسجد مع جنوده، ورفع العلم الإسرائيلي على قبة الصخرة، وحرق المصاحف ومنع الصلاة فيه، كما صادر مفاتيح أبواب المسجد وأغلقه أسبوعا كاملا، حيث مُنعت فيه الصلاة ولم يرفع الآذان.

أعيدت المفاتيح إلى الأوقاف الأردنية التي تولت شؤون المسجد، باستثناء مفتاح باب المغاربة المخصص حاليا لاقتحامات المستوطنين. ومنذ تولي الأردن إدارة الأوقاف وشؤون المسجد الأقصى، حددت المملكة فترتين: صباحية بين الساعة السابعة والنصف والعاشرة، وأخرى مسائية بين الواحدة والثانية ظهرا، لدخول السياح الأجانب إلى المسجد .وفي تتابع للانتهاكات، قررت قاضية في المحكمة المركزية الإسرائيلية عام 1976 أن لليهود الحق في الصلاة داخل الحرم. وفي عام 1981 اقتحم أفراد من حركة «أمناء جبل الهيكل» المسجد الأقصى برفقة حاخامات، وأرادوا الصلاة وهم يرفعون العلم الإسرائيلي ويحملون كتب التوراة.

وفي عام 1986، عقد عدد من الحاخامات اجتماعًا خاصًا قرروا فيه بصورة نهائية السماح لليهود بأداء الطقوس في المسجد الأقصى، ثم سمحت الشرطة الإسرائيلية رسميا -وللمرة الأولى- عام 1989 بإقامة صلوات للمتدينين اليهود على أبوابه.

وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، التي أطلق شرارتها اقتحام زعيم حزب الليكود آنذاك أرييل شارون المسجد، أصبحت إسرائيل تتحكم منفردة في حركة الدخول والخروج ضمن الوقتين المذكورين، وشرعت في إدخال مجموعات من المستوطنين إلى المسجد بحراسة أمنية.

ولقد قامت مؤسسات الاحتلال وعدداً من الأحزاب الصهيونية المتطرفة بدراسة مقترحات قوانين عدّة لتهويد المسجد الأقصى، والسماح لليهود بتأدية الصلوات داخله، بهدف نزع صلاحيات الأوقاف الإسلامية في القدس وجعل المسجد الأقصى تابعاً لوزارة الأديان في إسرائيل. وعليهِ، عقدت جمعية «عير عميم» أو (مدينة الشعوب) بالتعاون مع «مركز حماية الديمقراطية» في إسرائيل «كيشيف» مؤتمراً يهودياً في مدينة القدس مطلع حزيران 2013، أجمع فيه المتحدثون على «حقهم» بالصلاة في المسجد الأقصى، واقترح أحد الحاخامات البارزين أن تقام لجنة خاصة تبحث في سبل وطرق ووسائل التقسيم الزماني والمكاني للحرم القدسي بين المسلمين واليهود، على غرار الوضع ي المسجد الإبراهيمي في الخليل، وحينها قال يهودا غليك رئيس صندوق (إرث الهيكل) في مداخلة له: «إن الوضع في جبل الهيكل خطير للغاية ويحتاج إلى نهضة يهودية من أجل إثبات الوجود الإسرائيلي فيه».

وخلال شهري فبراير/شباط وأكتوبر/تشرين الأول 2014 قدم نواب متطرفون للكنيست مشروعين بقانونين: الأول لسحب الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية، والثاني يتعلق بالتقسيم ألزماني والمكاني للمسجد الأقصى.

ان فكرة التقسيم ألزماني والمكاني غير مرتبطة بزمان أو مكان محددين، وهي متجذرة في الشخصية اليهودية بل هي أحد أهم مكونات الشخصية اليهودية منذ زمن فرعون، وهي لصيقة باليهود على مرِّ تاريخهم، ويمكن تجسيدها بشكل مبسَّط في ثقافة «الغيتو» أو أماكن العزل التي كان اليهود يعيشون فيها في أورباً منعاً لحركات التنوير والدمج (الهسكلا) وحفاظاً على عدم الذوبان بالشعوب الأوربية قبل نشوء الحركة الصهيونية والتفكير في احتلال فلسطين.

ومن هنا يجب التأكيد على أنَّ فكرة التقسيم ألزماني والمكاني طرحها اليمين الصهيوني بقيادة حزب الليكود تمهيداً لتهويد المسجد الأقصى، من خلال تكريس سياسة اقتحام المسجد والاعتداء على المرابطين داخله، وفرض تقسيم ساحاته زمانياً بين الفلسطينيين والمحتلين الصهاينة في غير أوقات الصلاة كمرحلة أولية يتبعها تقسيم مكاني، ثم السيطرة الكاملة عليه لاحقاً، وتغيير هويته ببناء ما يسميه الاحتلال «الهيكل الثالث» مكان قبة الصخرة.

قبل أكثر من عقدين من الزمن، وبالتحديد يوم 25 فبراير 1994م؛ قام المجرم الصهيوني باروخ جولدشتاين وبصحبة عدد من المستوطنين والجيش؛ بتنفيذ مذبحة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل الفلسطينية، واستشهد في حينه 29 مصلياً وجرح 150 آخرين قبل أن ينقض عليه مصلون آخرون ويقتلوه. ودون الخوض في تفاصيل المجزرة؛ لا بد من التذكير بأنها جاءت انطلاقاً من محاولات الكيان الصهيوني لفرض التقسيم الزماني والمكاني على الحرم الإبراهيمي، حيث قرر في حينه اقتطاع أكثر من نصف المسجد وتخصيصه للمستوطنين مع إغلاقه تماماً أمام المسلمين أثناء الأعياد اليهودية.

ومع اندلاع الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى) أواخر عام 2000م بسبب اقتحام الهالك «أرئيل شارون» للمسجد الأقصى؛ أصبح الكيان الصهيوني يتحكم منفرداً في حركة الدخول والخروج من المسجد الأقصى، وشرع في إدخال مجموعات من المستوطنين إلى المسجد بحراسة أمنية، وأقفله أمام المصلين لثلاث سنوات ونصف، قام خلالها بزيادة عمليات الحفر والتنقيب عن آثار الوجود اليهودي المزعوم في المسجد وتحت أساساته.

أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) قراراً جديداً يتعلق بالقدس؛ يجدد اعتبار الكيان الصهيوني «دولة» محتلة للقدس ويرفض السيادة «الإسرائيلية» عليها. وقبلها أصدرت اليونسكو أكثر من قرار يتعلق بالمقدسات في فلسطين، منها قرار يقضي بأنَّ المسجد الأقصى من «المقدسات الإسلامية الخالصة» وأنه لا علاقة لليهود به. وأدرجت اليونسكو 55 موقعاً تراثياً في العالم على قائمة المواقع المعرضة للخطر، ومنها البلدة القديمة في القدس المحتلة وأسوارها، مما خلف غضباً واستنكاراً في الكيان الصهيوني.

قرارات اليونسكو أو المنظمات الدولية حول المسجد الأقصى ومدينة القدس تشكل تأكيداً على عدم أحقية اليهود والصهاينة في القدس وتنفي وجودهم تاريخياً، وبالتالي فهي تشكل مصدر إزعاج كبير للاحتلال، وتشير إلى أن العالم لم يعد يؤمن أو يقبل بأن تكون القدس عاصمة للكيان الصهيوني؛ وهو ما يجعله يذهب في عدة اتجاهات:

أولاً: ممارسة ضغوطات كبيرة على الدول التي تؤيد قرارات اليونسكو الداعمة للفلسطينيين وخاصة ما يتعلق منها بالمقدسات، بجانب محاربة الأمم المتحدة وتقليص حجم دعم الكيان الصهيوني لها.

ثانياً: محاولة نزع الوصاية على الأقصى من الأردن، وفي خطوة كانت الأولى من نوعها ناقش الكنيست في 25 فبراير 2014م نزع السيادة الأردنية عن المسجد الأقصى، وطالب عضو الكنيست من الليكود، موشي فيغلين، نقلها إلى البرلمان، مطالباً بسيطرة «إسرائيلية» عوضاً عن الأردنية على المسجد الأقصى، ومعتبراً أن من يحكم جبل الهيكل يحكم البلاد كلها، وقد أبدى استغرابه من أن يناقش الكنيست لأول مرة هذا الموضوع.

ثالثاً: تعزيز مبدأ أنه لا سيادة نظرية أو فعلية للسلطة الفلسطينية على المسجد الأقصى وكل «القدس الشرقية»، ومنع كل إجراء أو دعم مصدره السلطة الفلسطينية، ومحاولة فرض «الأسرلة» والتهويد على القدس الشرقية.

رابعاً: محاولة شرعنة وتقنين التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، ومحاربة المظاهر الإسلامية والممارسات العقائدية الإسلامية من خلال جملة القرارات الحكومية والخطط ومشاريع القوانين المقدمة للكنيست الصهيوني بإشراف ومتابعة المفوضية اليهودية التي تأسست في مايو 2014م لهذا الغرض، وفيما يلي أهم الصكوك القانونية المتعلقة بهذا الأمر:

- في 26 سبتمبر 2006م (3 رمضان 1427هـ) دهمت شرطة عكا حي وولفسون، الذي تبلغ نسبة السكان العرب فيه حوالي أكثر من 90% من مجمل سكان الحي البالغ عددهم حوالي 2500، وصادرت مكبرات الصوت من منزل مواطن كان يرفع بها أذان المغرب ليُعلِم أهالي الحي المسلمين بدخول موعد الإفطار، وذلك لأنهم لا يسمعون الأذان المرفوع من داخل مساجد عكا القديمة.

وفي 13 ديسمبر 2011م تحدثت صحيفة إندبندنت البريطانية عن مشروع قانون (قانون المؤذن) يقضي بتضييق الخناق على المساجد التي تستخدم مكبرات الصوت في رفع الأذان، وأنه تسبب في انقسام مجلس الوزراء في الكيان الصهيوني برئاسة بنيامين نتنياهو.

وفي 29 أكتوبر 2014م قرر حزب «إسرائيل بيتنا» تقديم مشروع قانون قديم جديد هدفه «إسكات الأذان» الذي ينطلق من المساجد الفلسطينية.

- في مايو 2015م تقدم عدد من أعضاء الكنيست بمسودة اقتراح مشروع قانون يقنن دخول اليهود المسجد الأقصى لإقامة صلواتهم، ويقضي كذلك بفرض غرامات وعقوبات على المتصدين من الجانب الفلسطيني لاقتحامات المسجد الأقصى.

وفي 26 نوفمبر 2015م قدم النائب البرلماني عن حزب «البيت اليهودي» بتسلئيل سموتريتش مشروع قانون للكنيست يسمح بصدور قرارات أمنية بإغلاق «أي مكان يثبت أنه صدر منه تحريض» للقيام بعمليات مسلحة ضد اليهود «بما في ذلك المساجد».

وفي 6 مارس 2016م أجلت اللجنة الوزارية لشؤون التشريعات في حكومة الاحتلال مناقشة مشروع قانون تقدم به عضو الكنيست مردخاي يوجيف عن حزب «البيت اليهودي» المشارك في الائتلاف الحكومي. ويحظر المشروع رفع الأذان بواسطة مكبرات الصوت في نحو 500 مسجد وخاصة في ساعات الليل والفجر، وذلك بذريعة «إزعاج مئات الآلاف من اليهود والحفاظ على جودة البيئة».

وفي 13 نوفمبر 2016م أقرت اللجنة الوزارية الخاصة بالتشريعات مشروع قانون يمنع رفع الأذان عبر مكبرات الصوت في مساجد القدس والمناطق القريبة من المستوطنات وداخل أراضي فلسطين عام 1948م، وذلك تمهيداً لعرضه على الكنيست لمناقشته والمصادقة عليه في ثلاث قراءات حتى يصبح قانوناً واجب النفاذ.

وأخيراً؛ من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنَّ ما يقوم به الكيان الصهيوني ينطلق من دوافع دينية، وان قرار المحكمه اخيرا قرار سياسي يهدف لعملية ترسيخ وتقسيم المسجد الاقصى وبالتالي يجب التأكيد على أن فكرة التقسيم الزماني والمكاني التي تنطلق من أسس دينية لا يمكن لها أن تتوقف عند هذا الحد، بمعنى أن المسجد الأقصى مقبل على مزيد من الإجراءات والمضايقات الصهيونية يوماً بعد يوم، وصولاً لفرض السيطرة الصهيونية الكاملة عليه من أجل تغيير هويته وتحويله إلى مكان مقدس لليهود، وإنشاء الهيكل المزعوم عليه؛ تمهيداً لقدوم المسيح المذكور في الكتب الدينية المحرفة، وتحضيراً للعيش في الألفية السعيدة.

 

 

التعليقات على خبر: التقسيم الزماني والمكاني للأقصى

حمل التطبيق الأن